هل باستطاعة القروض الصغيرة أن تشفي جروح الحرب؟

بقلـم ماليكا أناند وسامر بدوي
طباعة
بريد إلكتروني
واشنطن العاصمة – إنَّ القروض الصغيرة أكثر من مجرّد مال. فيمكن للخدمات المالية، بما يشمل ذلك الرصيد والمدّخرات والتأمين، أن تساعد الذين لا يملكون حسابات مصرفية وذلك من خلال مساعدتهم في توليد الدخل وتعزيزه. غير أنّه يمكن لهذه الخدمات أيضًا أن تحثّ على التماسك والتضامن وأن تساعد المجتمعات التي دمّرتها الحروب في إعادة البناء وحتّى التصالح.

لنأخذ البوسنة على سبيل المثال: فتقول ناتاسا غورونجا، وهي خبيرة في القروض الصغيرة المرتبطة بفترة ما بعد النزاعات (حصلت على شاراتها كموظفة إئتمان في سيراييفو)، أنّه على الرغم من عدم إمكانية فرض أو توجيه التفاعل الديني المتداخل بعد الحرب، فالمسلمون والمسيحيون هم نتيجة طبيعية للحياة الإقتصادية. ولقد حصل ذلك التفاعل في أغلب الأحيان، وحرفيًّا "عبر المنضدة" في مؤسسة للقروض الصغيرة.

وتذكر غورونجا قائلة: "كنتُ في الغالب الشخص المسيحي الأوّل الذي رآه الزبون المسلم بعد ذلك الذي قتل شقيقه، كما كان الزبائن يقولون لي أنني أول شخص مسيحي يثقون به".

إنَّ ذلك النوع من الثقة هو سمة مميّزة لحركة القروض الصغيرة ، فقد بدأت بالفكرة التي مفادها أنّ الأشخاص الفقراء – الذين لا يعلمون ما هي الضمانات المطلوبة للحصول على قرض من المصرف- يستحقون إمتلاك رصيد بقدر ما يستحق الأثرياء ذلك. وفي الواقع، بعد مرور حوالي ثلاثة عقود على دفع "محمد يونس" من "مصرف جرامين" للقرض النقدي الأول، يقول الخبراء أن نسبة إعادة تسديد القرض لدى زبائن القروض الصغيرة تصل إلى مئة في المئة، ما جعلهم تتفوّقون على زبائن المصارف التجارية.

"يعيد الناس تسديد قروضهم لأنهم يقدّرون قيمتها"؛ هذا ما تقوله إليزابيث ليتلفيلد، وهي رئيسة "المجموعة الإستشارية لمساعدة الفقراء" التي تُعتَر المجموعة الأهم المختصّة بالبحوث وصحافة الرأي ضمن مصلحة القروض الصغيرة. وهذه هي الحال في البيئات التي ولدت بعد نزاعات مث أفغانستان حيث أسّس مركز "CGAP" تسهيلات مالية محلية بعد فترة قصيرة من حرب العام 2001. وبعد ما يزيد عن السنة بنيّف، وصل عدد زبائن القروض الصغيرة إلى مئات الآلاف، وهذا في دولة إفتقرت حتّى إلى بدايات نظام مالي رسمي.

وفي أفغانستان كمتا في البوسنة، كان هنا طلبًا كبيرًا على القروض الصغيرة لأنّ المجتمعات كانت تتوق إلى إعادة الإعمار وبالتالي إحتاجت إلى قروض لشراء المواد وتمويل المشاريع الإعمارية. ولكن من خلال دعم روح المقاولة، ساعد مقدّمو القروض الصغيرة في خلق مجتمع من مجرَّد دَبش وبقايا أبنية.

وبالفعل، يدير الكثير من زبائن القروض الصغير ديونهم بشكل تعاوني من خلال تشكيل مجموعات تجتمع بهدف النقاش والدعم والرفقة. ولا تكتفي هذه الإجتماعات بالتشجيع على إعادة التسديد بل أيضًا على التصالح بين الأعضاء. ففي النهاية، لكي ينجح عمل القروض الجماعية يجب على الأعضاء أن يثقوا ببعضهم وأن يكونوا قادرين على التواصل. ففي المجتمعات التي خرّبتها مظاهر عدم الثقة والدّمار، يمكن للقروض الصغيرة أن تدلّ على طريق العودة نحو مجتمع مدني.

ليست القروض الصغيرة عمل خيري ولا زبائنها ضحايا بل أفراد يتمتّعون بالدرجة نفسها من قدرة وكرامة وإنتاجية أولئك الذين لم يعانوا من تقلّبات الحرب والكوارث الطبيعية أو الفقر المستوطن. وفي جميه الحالات، تمنح القروض الصغيرة الناجين فرصة لإستعادة الملكية والوكالة في حياتهم.

ولقد زادت القروض الصغيرة فائدة التحرّكيّة، فهي لا تتطلّب بنية تحتية كبيرة أو أنظمة معقّدة. فالكثير من فروع المؤسسات التي تقدّم قروض صغيرة تعمل من خلال ما بين ثلاثة وخمسة موظّفين بحيث يزور موظّفي الإئتمان الزبائن في منازلهم وينظّمون مجموعات ضمن نطاق قرية أو حي. فقبل أن تصل المصارف التجارية أو حتّى الحكومة إلى المناطق المخرَّبة، يمكن للمنظّمات غير الحكومية الصغيرة والنبيهة أن تبدأ بتقديم خدمات القروض الصغيرة.

ولتقديم حدمات القروض الصغيرة في المناطق التي تعرّضت لنزاعات، يجب وضع بعض الأشياء الضرورية في مكانها. فعلى الدوائر المبرمِجة أن تقدّم درجة معقولة من الأمن والحماية اللذين يسمحان للزبائن تنفيذ أعمالهم. وعلاوة على ذلك، بما أنَّه يصعب ضمان تسديد القرض في الوقت المحدَّد بحكم تنقّل الأفراد، يجب أن يتمتّع الزبائن بدرجة من الإستقرار الجغرافي. وأخيرًا، يجب أن يكون هناك إقتصاد فعّال ذو أساس نقدي. فاقروض الصغيرة تسمح للزبائن بالإستفادة من الفرص الإقتصادية ولكنّها لا تخلقها لهم. ولكي تعمل خدمات القروض الصغيرة بفعالية، يجب أن يتمكّن الناس من الوصول إلى الموارد الإنتاجية وأن يكونوا قادرين على المتاجرة وحمل الأموال واستخدامها.

وبوجود الأمن والإستقرار والعملة، تمكّن مقدّمي القروض الصغيرة من جلب الخدمات المالية إلى القرى والراكز المدنية التي أعيد تأهيلها من البوسنة وأفغانستان إلى ليبيريا والعراق. وعلى الرغم من أنَّ المال لا يشفي الجروح حميعها، إلاّ أنَّه باستطاعة القروض الصغيرة أن تساعد في إعادة الأمل حتّى في المجتمعات التي خرّبتها الحرب.

###

* يعمل كلٌّ من كاليكا أناند وسامر بدوي في مركز "CGAP" العالمي للقروض الصغيرة، ويمكنكم الإطّلاع على المزيد من المعلومات غبر زيارة موقع: www.cgap.org. لقد تمَّ توزيع هذا المقال عبر خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) ويمكن قراءته على الموقع التالي: www.commongroundnews.org .

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) في 12 كانون الأول/ديسمبر 2006.
لقد تمَّ الحصول على تصريح حق إعادة النشر.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
يجب أن يُعاد النظر بالمساعدات الغربية
المنظمات الإسلامية غير الحكومية: جزء لا يتجزأ من المجمتعات المسلمة
المسلمون يدركون العولمة ولكن هل بلغتهم؟
الأعمال المصرفية الإسلامية – فرصة أم تهديد؟
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

يجب أن يُعاد النظر بالمساعدات الغربية بقلـم روبرت مايرز
المنظمات الإسلامية غير الحكومية: جزء لا يتجزأ من المجمتعات المسلمة بقلـم عزة كرم
المسلمون يدركون العولمة ولكن هل بلغتهم؟ بقلـم محمود قزمي
الأعمال المصرفية الإسلامية – فرصة أم تهديد؟ بقلـم رودني ويلسون