المنظمات الإسلامية غير الحكومية: جزء لا يتجزأ من المجمتعات المسلمة

بقلـم عزة كرم
طباعة
بريد إلكتروني
نيويورك- من السهل جدا طرد المنظمات الإسلامية، سواء أكانت داخل العالم المسلم أو في الغرب، كتلك التي تنتمي إلى الأحزاب التي تدافع عن الإسلام السياسي، على خلاف المنظمات الإسلامية الأخرى التي لا انتماء سياسيا لها على الإطلاق. في أحسن الأحوال، توصف هذه المنظمات "بالشبكات الخيرية"، مما يعني أن تقع في مركز أدنى من المنظمات العلمانية غير الحكومية التي تؤمن عادة الخدمات نفسها.

أما في أسوأ الحالات، فهي تعتبر واجهات لأنشطة التخريب و للإرهاب.

و غني عن القول أن أحداث 11 سبتمبر، 2001 و ما تلتها من تطورات عالمية، عززت الكثير من هذه الأفكار.

في الحقيقة، انتشرت هذه المفاهيم الخاطئة، بشكل واسع، لتشمل النشاطات الحكومية و الحكومية الدولية الإسلامية، و النشاطات الإنمائية الخاصة بالمنظمات غير الحكومية، فخلقت بذلك عقبات أمام العمل الإنمائي الإسلامي، وجعلت توفير الخدمات الأساسية أكثر تعقيدا حتى للحالات الإنسانية التي تكون بحاجة ماسة إليها- هذه الشكوى قدمتها الإغاثة الإسلامية، مرارا و تكرارا، في نداءاتها العديدة إلى المجتمع الدولي.

إلا أنه من غير المعروف في العالم الغربي، حقيقة أن وسائل تنظيم الدعم الاجتماعي غير الحكومية هي أمر تقليدي في معظم أنحاء العالم. ففي الإمبراطوريات المسلمة، فرضت الضريبة على المسلمين، و هي الزكاة. و على الرغم من أنها غالبا ما كانت تذهب إلى خزائن السلطة المركزية، إلا أنه، في بعض الحالات، كانت تمنح أجزاء من هذه الزكاة، إضافة إلى الصدقة (و هي التبرعات الطوعية)، إلى المبادرات المجتمعية والمحلية (غالبا المساجد) التي كانت تنظم بأهداف خيرية وحاجات اجتماعية.

فعليا، فإن هذه المبادرات هي ما نطلق عليها اليوم اسم المنظمات غير الحكومية.

يعتبر هذا العطاء تقليداً بارزاً في البلدان حيث تكون هياكل الدولة المركزية الموجودة ضعيفة و/أو متأثرة سلبا بعملية شل مدفوعات الدين الخارجية، أو بمتطلبات التعديل البنيوية على صندوق النقد الدولي، أو بمسائل النزاع. لقد أبقت العديد من المناطق في لبنان، والأراضي الفلسطينية المحتلة، والصومال، وجنوب السودان، والعراق، وغيرها، تأمين الخدمات الأساسية لشعوبها في السراء والضراء لأن لديها هذا التقليد وهو العمل كمنظمات غير حكومية.

كانت هذه المنظمات غير الحكومية، جميعها و بطرق مختلفة، تؤمن بعض الاحتياجات في حال لم تستطع المنظمات الحكومية توفير الخدمات الأساسية. كما يبرز دور هذه المنظمات غير الحكومية في المجتمعات التي تحتاج إلى البقاء، وأيضا بطرق مختلفة. كما أن هذه الشبكات الخدماتية تدعم الدول المناضلة لأنها تنجز مهامَّ تعجز الدول نفسها عن إنجازها، وتشكل منتديات اجتماعية مهمة تبقي المجتمعات على وعي، وعلم، واتصال، وبهذا وبطرق مختلفة، تبقيها متمكنة.

في البلدان التي تمزقها الصراعات الداخلية، من غير المألوف أن نجد أنه في حين تقتل المجتمعات بعضها البعض، داخل العيادات والمدارس، يتعايش أعضاؤها. ففي لبنان مثلا، في أوج الحرب الأهلية عندما قاتل المسلمون والمسيحييون بعضهم البعض، و من بينهم، العديد من أطفالهم كانوا يذهبون إلى نفس المدارس الكاثوليكية ويجلسون جنبا إلى جنب. أما في العراق، مباشرة بعد الغزو الأميركي، فكانت المساجد والكنائس تساعد المحتاجين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي.

إن هذه الأمثلة ليست للقول إن فقط المجتمعات الدينية تخدم في العالم الإسلامي؛ ففي الواقع، يقدر عدد المنظمات غير الحكومية (دينية وغير دينية) في العالم العربي وحده، بعشرة آلاف منظمة. إلا أن الخلفية الإسلامية مهمة لتوضيح سبب سعي المنظمات الإسلامية المعتدلة، التي لديها شبكات خدمات اجتماعية منظمة جيدا ومنتشرة، إلى حشد دعم سياسي كبير. هي بالإجمال صفقة ناجحة، ولاينبغي التقليل من أهميتها أو إساءة فهمها كما هو حاصل اليوم.

إن هذه القدرة على تأمين الخدمات الاجتماعية للجميع، بغض النظر عن العقيدة أو الانتماء الطائفي، هي بالضبط ما تميز المجموعات الإسلامية المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، هي تميز بين المجموعات المعتدلة سياسيا وبين مجموعات أخرى أكثر تطرفا. هذه الأخيرة لا يهمها توفير الخدمات الاجتماعية، إذ تسعى وراء القوة العسكرية من خلال حوادث مذهلة من العنف.

من الأهمية بمكان كسر دائرة التعميمات حول المنظمات غير الحكومية في الدول ذات الغالبية المسلمة، التي يمكنها في حد ذاتها أن تؤدي إلى أنشطة سرية بدلا من المساعدة الإنمائية الشرعية، وتؤثر بذلك سلبا على عملية تأمين الخدمات الأساسية. يشمل هذا المنح والتمويل، إلى جانب تعاونات وشركات المنظمات غير الحكومية.
إن النظر بعمق داخل هذا التقليد الخاص بالمنظمات غير الحكومية، وضمن المنظمات الإسلامية، يؤمن فكرة أوضح عن هوية النظراء الإنمائيين ومن ينبغي أن يكونوا، والأساس الذي عليه ستنشأ العلاقات البناءة و الفعالة.

###

*عزة كرم، حائزة على شهادة الدكتوراة، وهي كبيرة مستشاري المكتب الإقليمي للدول العربية في نيويورك والتابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. إن جميع الآراء المطروحة هنا هي من وجهة نظر الكاتبة وحدها ولا تعكس بالضرورة آراء وكالات الأمم المتحدة، المجلس أو المجالس التنفيذية، أو الدول الأعضاء. هذا المقال هو جزء من سلسلة الاقتصاد والعلاقات الإسلامية المسلمة الموزعة من قبل خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) ويمكن الحصول عليها بالدخول إلى الصفحة الإلكترونية التالية: www.commongroundnews.org

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) في 26 أيلول/ديسمبر، 2006
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
هل باستطاعة القروض الصغيرة أن تشفي جروح الحرب؟
يجب أن يُعاد النظر بالمساعدات الغربية
المسلمون يدركون العولمة ولكن هل بلغتهم؟
الأعمال المصرفية الإسلامية – فرصة أم تهديد؟
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

هل باستطاعة القروض الصغيرة أن تشفي جروح الحرب؟ بقلـم ماليكا أناند وسامر بدوي
يجب أن يُعاد النظر بالمساعدات الغربية بقلـم روبرت مايرز
المسلمون يدركون العولمة ولكن هل بلغتهم؟ بقلـم محمود قزمي
الأعمال المصرفية الإسلامية – فرصة أم تهديد؟ بقلـم رودني ويلسون