الإنسانية في الأردن والعيش معها

بقلـم جيني إيرنست
طباعة
بريد إلكتروني
عمان – عندما نعد عدد الجنود الأمريكان المفقودين في العراق نقشعر ونرتجف خوفا، وأما أعداد الجنود والمواطنين العراقيين الذين ضحوا بأرواحهم فكثيرا ما تختفي تفاصيلها عند الترجمة. إن لدغة الفقدان تسري في انحاء الشرق الاوسط بقوة وفي الغرب كذلك. فالموت لا يعرف حدودا. ولماذا تختفي قدرتنا على الاحساس عندما يتعلق الامر بالتعاطف مع اولئك الذين يختلفون عن أنفسنا؟

لقد رست خطاي على منطقة الشرق الأوسط خلال صيف عام 2004، حيث اصطدمت بمجتمع آخر وثقافة ودين يتنافيان مع توقعاتي. وبات كل ما سمعته أو تصورته عن المنطقة أمرا سلبيا. كنت في الحقيقة قد توقعت أن يكون الشعب متحفظا وثقافته قاسية، وأنهم لن يتقبلونني أو يرحبون بي لأنني أمريكية مسيحية. فقد رسمت صورة قبيحة ومخيفة عن تلك المنطقة المستحسن تجنبها.

لكن تجربتي العملية أثبتت لي عكس ذلك تماما. في البداية أذهلتني نخوة هذا الشعب وحسن ضيافته. وبدلا من الحكم علي كأجنبي، استضافني أهل المنطقة في ديارهم وفي حياتهم أيضا. وبعد مرور سنتين ونصف السنة على انتقالي هناك، لم تخيب أمالي انطباعتي الأولى وانما صمدت أمام اختبارات الزمن. وكلما تعمقت أكثر وأكثر في ما يعني أن تكون عربيا، مسلما وأردنيا، أجد ذات مشاعر الدفء والحنان ورقة القلب.

ويعود الفضل في تقليص ودحض الانطباعات السلبية لدي الى شخص واحد بالتحديد. هي فاطمة امرأة طيبة يشرفني أن أدعوها بالمعلمة والصديقة.لقد اعتادت أن تجلس معي كل أسبوع ولمدة ساعة تعلمني فيها اللغة العربية، ولكنها علمتني أكثر بكثير من مجرد لغة. أخذتني الى منزلها وأعدت الأعياد لأصدقائي، لا تملك أسرتها الا القليل جدا ومع هذا تقدمه لي دون بخل. وتشع هي بالايمان العميق والخالص تجاه جميع من أعرفهم، كانوا مسلمين أم مسيحيين. فقد أوضحت لي أنها كمسلمة عليها أن تكن احتراما تجاه مختلف الأديان وأن تحب الناس أجمع. كان ذلك منظورا جديدا بالنسبة لي، إذ كنت أتعلم دائما كمسيحية عن المغالطات في الديانات الأخرى. وكأمريكية، لطالما تعلمت أن المسلمين يعتقدون بأننا أشخاص لا أهمية وقيمة لدينا. لم نتمكن قط أن نفرق ونفصل ما بين المتطرفين وما بين "الفاطميين" في العالم العربي.

كنت قد انتقلت الى الشرق الأوسط بهدف خدمة الفقراء الذين يعيشون في ظروف سكنية سيئة وذلك عن طريق مؤسسة "Habitat for Humanity" في الأردن، إذ عملت هذه المؤسسة بمثابة بوابة الى قلب المجتمع العربي. بدورها، تمتد خدمة ورؤية المؤسسة الى ما بعد تزويد العائلات المحتاجة بسكن ملائم، فهي تسعى أيضا الى احضار أشخاص من أنحاء البلاد والعالم وجمعهم معا في برامج مشتركة. فتقل بذلك الفجوة العميقة بين الغرب والشرق بالعمل سويا على بناء البيوت.

فالشرق الأوسط، بالنسبة لأولئك الذين يشاركون في البرنامج، لم يعد مجرد بقعة مضطربة موجودة على الخريطة، وانما هي مكان لأشخاص لهم أسماء وقصص وعائلات وأحلام. وأما وفقا للأردنيين، فلم يعد الغرب كذلك مجرد سياسة رئيس دولية. أصبحت منزل وبيت لاصدقائهم الجدد الذين جاءوا من مكان بعيد للعمل سويا والتطوير من قدرات مجتمعاتهم.

ومثله مثل اي بلد آخر، يعاني الاردن من مشاكله الخاصة. فالعديد من النساء تمنع من العمل خارج المنازل، وإذا ما تم ضبطهم في موقف غير لائق مع رجل ما، فاللوم دائما يقع عليهم وأما العقاب فشديد. فجرائم الشرف توجد فعليا. والسياقة في الأردن في حال جنون، والتلوث هناك شبه خانق. تبدو هذه الامور محبطة ومخيبة للآمال، إلا أنها ليست بأسوء من أحداث العنف الأسري وعنف العصابات والفساد السياسي التي يتم تغطيتها في الإعلام ونشرات الاخبار المحلية في الولايات المتحدة. كلنا لدينا مجال لأن نتطور.

ورغم التحديات التي يواجها الأردن، يبقى بلد سلمي محاط باستمرار بالاضطرابات الإقليمية. ويتنوع سكان الاردن كما في الغرب، حيث هناك من يتحطم قلبه لمشاهدته للعنف والمآسي، وهناك من تحجرت قلوبه، وآخرون يأملون في مستقبل واعد وأفضل. فالناس تحلم وتنتظر اليوم الذي سيتحول فيه التقدم والاحترام المتبادل في نشرات الأخبار الحدث الاساسي بدل أعداد القتلى. إنه حلم عالمي ولكن كيف لنا أن نحققه سويا؟

وقد تسبب سوء الفهم وغياب الاتصال بين عالمينا في تصلب القلوب. فهل يمكننا أن ننسى وأن نسامح، نظرا للازدهار الذي يمكنه أن ينجم عن ذلك؟ يمكننا أن نفعل ذلك إذ إنه واجب أيضا. السبيل الذي يقودنا في نهاية المطاف الى التسوية والاحترام المتبادل يعج بأناس على استعداد أن يضعوا أنفسهم مطرح الطرف الآخر لإمكانية الرؤية بأعينهم. وإن كثيرا ممن نقاتلهم اليوم يتقاتلون في الحقيقة على الأمور ذاتها. فالفرحة هي الفرحة ذاتها والحداد هو الحداد ،و أما العيش بسلام فهي نهاية محبذة بغض النظر عن العرق والدين أو الجنسية.

###

جيني إيرنست تعمل في مكتب Habitat for Humanity- الأردن في عمان. هذه المقالة هي جزء من المراسلات حول مجتمعات الشتات والعلاقات المسلمة الغربية وقد تم توزيعها عبر خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews)، ويمكن قراءته على الموقع التالي: www.commongroundnews.org

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) في العشرين من شباط، 2007. : www.commongroundnews.org
لقد تم الحصول على تصريح حق إعادة الطباعة والنشر.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
النادي الفارسي تواجد بتميز من اجل الحوار الأمريكي – الإيران
جولة أمريكية الى أعماق الإسلام،
نساء من طرفين مختلفين يتحدثن بصراحة
فليقدم العرب الأمريكيون المساعدة
هبة أمريكية: تقليد حديث في الفكر الإسلامي
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

النادي الفارسي تواجد بتميز من اجل الحوار الأمريكي – الإيران بقلـم شيرين سعيدي
جولة أمريكية الى أعماق الإسلام، بقلـم س. هولاند تايلر
نساء من طرفين مختلفين يتحدثن بصراحة بقلـم سابيرا قريشي وجاكي سان جوان
فليقدم العرب الأمريكيون المساعدة بقلـم ربيكا أبو شديد
هبة أمريكية: تقليد حديث في الفكر الإسلامي بقلـم مقتدر خان