ما هي قضية العلمانية الغربية؟

بقلـم يورغن س. نيلسن
طباعة
بريد إلكتروني
دمشق – قبل بضع سنوات كتب الزعيم التونسي الإسلامي في المنفى رشيد غنوشي كتاباً حول الحقوق العامة في الإسلام، وقد أشار إلى أن هناك أسباب تاريخية محددة فصلت أوروبا بسببها بين الدين والدولة. فالكنيسة كانت قد أساءت استخدام سلطاتها ووقفت أمام التقدم العلمي، والدولة جعلت من الدين أداة للقمع. وهذا مقبول لأوروبا، حسب قوله، ولكننا في العالم المسلم لا نتشارك بهذا التاريخ وعلينا أن نجد طرقاً خاصة بنا لإدارة شؤونا. طرق لها معنى لنا.

تعتبر هذه الاستجابة الإسلامية للعلمانية العربية معقولة إلى حد ما. وفي الاستجابات الأكثر تطرفاً تعتبر العلمانية واحدة من قوائم الاختراعات الغربية غير المرغوبة، والتي تضم المادية والصهيونية والانحلال الخلقي والامبريالية، وهذه بعضها فقط بدون ترتيب محدد. وإذا بحثنا في الأكثر تطرفاً نجد أن أسامة بن لادن له قائمة خاصة به.

لماذا يبدو أن المسلمين يجدون من الصعوبة بمكان رؤية أي شيء إيجابي في العلمانية الغربية؟ هل نحن مختلفون جداً؟

من الواضح أن هناك بعض الحركات الإسلامية الجادة في مناشدتها تحقيق تكامل شامل بين الدين والدولة، بحيث يسيطر الدين في الحياة العامة كما في الحياة الخاصة. إضافة إلى ذلك، يصبح النقاش مستحيلاً تقريباً في بعض الطروحات المسلمة بسبب حقيقة أن الكلمة المستخدمة "العلمانية" تترجم إلى الإنجليزية "لا دين" أو "بدون دين". وهذه هي الحالة مثلاً في لغة الأوردو، بينما المعنى الأصلي للكلمة ببساطة هو ما يتعلق بهذا العالم مقارنة بالعالم الآخر.

إلا أننا عندما نغوص إلى ما أسفل سطح الموضوع تصبح الأمور أكثر تعقيداً، والأهم من ذلك أنها تختلف من دولة إلى أخرى. فالسعودية ليست مصر وإيران ليست باكستان أو سوريا وهكذا.

من المؤكد أن المسلمين لا يحبون الكثير مما يرونه على أنه غربي: وحدة الفرد وانهيار الأسرة والدمار الذي يسببه الإدمان على المخدرات والعنف العشوائي والجنس كوسيلة للتسلية وهم بالطبع ليسوا وحيدون في الشعور بالقلق، ومن الطبيعي الاعتقاد بأن هذه الأمور جاءت نتيجة لانحطاط القيم الدينية. ولكن هذه أيضاً صورة روجت لها وسائل الإعلام الغربية، وخاصة الأفلام الأميركية التي يستطيع الجميع الآن مشاهدتها على شاشات التلفزة الفضائية.

إلا أن هناك وجهات نظر أخرى. في منتصف عشرينات القرن الماضي نشر العلامة المصري علي عبد الرازق الأستاذ بجامعة الأزهر الإسلامية العريقة، كتاباً عنوانه "الإسلام وجذور الحكم" يناقش فيه بأن النبي محمد (ص) أرسى قواعد دين وليس دولة، لذا فإن الدين يجب ألا يقرر هيكل الدولة اليوم. الكتاب جرت إدانته فوراً ولم تعد له أية أهمية حسب ما يخبرنا به معظم علماء المسلمين. ولكنه بقي موجوداً وما زال في الإمكان ابتياعه من دور الكتب في القاهرة. إذاً لا بد أن أحداً ما يقرأه.

أوصلنا الحديث مع مجموعة من علماء المسلمين في بريطانيا مؤخراً، الذين ينتمون إلى الحركات الأكثر تزمتاً، إلى موضوع "النظام الإسلامي". من الواضح أنه غير كافٍ أن يسمي نظام حكم أو نظام اقتصادي نفسه مسلماً، بل يتوجب عليه أن يكون مسلماً. ولكن ماذا يعني ذلك؟ وقد قادنا ذلك إلى أمور مثل العدالة الاجتماعية ونظام عدلي يُعتمد عليه، والحرية الشخصية والمساواة والمشاركة الشعبية وحكام قابلون للمساءلة، إلى غير ذلك. وقد غامر أحد هؤلاء العلماء بالقول بأن دول التكافل الاجتماعي في أوروبا الشمالية "مسلمة" إلى درجة أبعد بكثير من أية دولة مسلمة أخرى في العالم بغض النظر عما تسمى نفسها.

إذا كانت هناك قيم مشتركة هامة بهذا الشكل فلماذا إذاً هذه المشاعر المختلطة حول مفهوم العلمانية؟ من الواضح أن الهجمة على العلمانية يقودها رجال الدين. إذا كان الدين في صورته التقليدية يُدفع إلى هوامش الحياة العامة فما الذي يبقى لهم؟ ولكن هذا بحد ذاته غير مرضٍ، فرجال الدين لهم جمهور واسع يتقبل وجهات نظرهم.

إما فيما يسمى بالشارع العربي فتعتبر العلمانية في معظم الحالات فكرة أجنبية مستوردة، أتى بها المستعمرون كأسلوب للحد من سلطة المؤسسات الدينية المسلمة التي زودت في معظم الأحيان صلب المقاومة للاستعمار، منذ غزا نابليون مصر عام 1798. وتعتبر العديد من الدول المسلمة الحديثة وريثة للسلطات الاستعمارية. فالسياسة العلمانية ترتبط إذاً بالدكتاتوريات العسكرية التي تأسست ونشأت بالتحالف مع القوى المتناحرة في حقبة الحرب الباردة.

واليوم، يأتي التحدي الفاعل الوحيد لهذا الميراث من الحركات الإسلامية، ويواجه الذين يناقشون لصالح المنظور العلماني خطراً مستمراً بأن يُتهموا بالتواطؤ مع الغرب. هذا التوجه الثنائي الدينامية هو الذي يرجّح تحول العديدون بعيداً عن العلمانية الحديثة والتعددية وباتجاه نظام سياسي ديني.

###

*يورغن نيلسن هو مدير المعهد الدنمركي في دمشق وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة بيرمنغهام في المملكة المتحدة. هذا المقال جزء من سلسلة من المقالات حول العلمانية والحوار بين المسلمين والغرب. تقوم خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) بتوزيع هذا المقال، ويمكن الحصول عليه من الموقع الإلكتروني www.commongroundnews.org.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews)، 1 أيار/مايو 2007. www.commongroundnews.org.
لقد تم الحصول على تصريح حق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"برأيي أنه من الأمور البارزة المتميّزة أن تنجح في جعل وسائل الإعلام تنشر مقالاً لخدمة Common Ground الإخبارية، وخاصة الإتصال من أجل تجديد الجهود لإعادة تفسير النصوص الإسلاميّة من خلال إجتهاد جديد. الجميع يريدون أن يتعلّموا كيفية الإمتداد والإتصال. لقد نجحت خدمة Common Ground الإخباريّة في ذلك".

- شامل إدريس، مدير سكرتاريّة تحالف الأمم المتحدة من أجل الحضارات
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
ما يمكن للكلمات أن تعني
تصوُّر الديمقراطية الإسلامي
أساطير العلمانية الغربية والسياسة في الإسلام
لماذا ينظر المسلمون إلى الدين للتعامل مع القضايا السياسية؟
ثنائيات زائفة: "العلمانيون" و "الإسلاميون" في ترك
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

ما يمكن للكلمات أن تعني بقلـم جافيد أنان
تصوُّر الديمقراطية الإسلامي بقلـم جوسلين سيزاري
أساطير العلمانية الغربية والسياسة في الإسلام بقلـم أسماء أفسار الدين
لماذا ينظر المسلمون إلى الدين للتعامل مع القضايا السياسية؟ بقلـم داليا مجاهد
ثنائيات زائفة: "العلمانيون" و "الإسلاميون" في ترك بقلـم نورا أونار