القدس مركز صراع ... أم أساس لقاء؟

بقلـم جهاد أبو زنيد
15 مايو/آذار 2007
طباعة
بريد إلكتروني
واحدة من أقدم مدن التاريخ وأكثرها عراقة. تلك هي الصفة العادية التي يمكن إطلاقها على مدينتي الرائعة القدس, المدينة التي احملها في تفاصيل وجهي وفي رنات صوتي وفي وقع خطواتي فوق الأرض، منذ عرفت لون السماء وتمكنت من النطق بأولى الحروف، ووجدت قدماي طريقا إلى خارج البيت عبر أزقتها الرائعة. تلك هي القدس, المدينة التي تسبقني بخمسة آلاف عام، والتي اشعر أنني واحدة من وارثي هذا التاريخ العظيم الذي شكل ولا زال حتى الآن، مركزاً لخلافات البشر وصراعاتهم.

بعد عودة الرئيس الراحل من محادثات كامب دافيد الثانية عام 2000 ، احتدم الصراع فأصبحت القدس وقوداً لصراع أكبر بدأ يأخذ شكلاً جديدا. فالصراع الوطني على السيادة والدولة تعمّق ليطال الأماكن المقدسة بشكل يلغي وجود الإنسان وكرامته وانتمائه إلى هذه المدينة، ويلغي انتماء هذه المدينة إلى الإنسانية جمعاء. إسرائيل وقادتها أصبحوا ينظرون إلى السيادة على الحرم القدسي الشريف كأمر لا يمكن التنازل عنه.
الفلسطينيين اعتبروا ذلك محاولة للإحلال واستبدال الواقع الديني الموجود منذ أكثر من 1400 سنة. تأجيج الصراع وتحويله إلى صراع ديني ينذر بمواجهة أكبر تقود إلى تحييد رمزية القدس ومحوريّتها.

أبدا ليست هي كباقي المدن على وجه الأرض, فهي وحدها دون غيرها من يلتفت إليها الإخوة الأعداء أو الأعداء الإخوة أو أبناء العمومة الذين قرروا ترك صلة القربى خلف بوابات الموت ولجئوا لحجارتهم يصنعون منها أدوات دمار لا أدوات بناء لغد أجمل. هذه هي المدينة التي يتناحر عليها أتباع الديانات السماوية الثلاث, فهي وحدها دون غيرها على وجه الأرض التي تملك مركز القداسة للمسلمين والمسيحيين واليهود, ولذا شكلت منذ فترة بعيدة، أساسا للصراع بين أتباع الديانات الثلاث في محاولات متواصلة لاحتكار السيطرة عليها ومنع الآخرين من الوصول إليها. وقد تمكنت الحركة الصهيونية بعد حرب عام 1967 من إحكام سيطرتها على مدينة القدس، وسعت وبشكل ممنهج منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم إلى إلغاء الطابع الديني الإسلامي والمسيحي للمدينة وتحويلها إلى مدينة يهودية بالكامل. وقد لجأت في سبيل ذلك إلى إجراءات متنوعة لتحقيق غرضها ومنها:

1. عملت على التضييق على مواطني المدينة العرب من المسلمين والمسيحيين في محاولة لتهجيرهم بان أغلقت أبواب العمل وشجعت منافسة المؤسسات اليهودية للمؤسسات العربية لإضعافها وصولا إلى إغلاقها، بما في ذلك المؤسسات الصحية والتعليمية والثقافية.

2. جعلت الإقامة بالقدس مكلفة جدا للمواطن العربي بان فرضت أشكالا متنوعة من الرسوم والضرائب، فأصبح المواطن العربي غير قادر على الوفاء بالتزاماتها، وفرضت قيودا مشددة على البناء العربي أو حتى ترميم المنازل القديمة، وكذلك رفعت أسعار البيوت بسبب الإقبال الشديد من قبل المؤسسات الصهيونية على شرائها إلى جانب إغلاق المجال أمام الرأسمال العربي والإسلامي للاستثمار بالقدس.

3. نغصت حياة الفلسطيني باستمرار وسعت بكل السبل نحو شعور العربي المقدسي بالغربة في بلده من خلال ضخ أعداد كبيرة من اليهود للسكن بها ورسم معالم يهودية لحركة العمران الجديد والطرق الجديدة وتطويق المناطق العربية بأحياء يهودية، يسكنها المستوطنون العنصريون المعادون للعرب.

4. أغلقت بوابات المدينة في وجه المصلين، وحولت الصلاة في المسجد الأقصى إلى نشاط يحتاج لجهد كبير، وحددت أعمار ألمصلين الذين يجوز لهم الدخول إلى المسجد الأقصى في أيام الجمع والأعياد الرسمية، وشجعت الحركات الدينية اليهودية على ممارسة نشاطها على ارض الحرم وفي محيطه، وانتهكت أماكن مقدسة للمسلمين وحولتها إلى أماكن حصرية لليهود كحائط البراق، وشجعت الحفريات وعمليات التنقيب والبناء اليهودي في المكان ضاربة عرض الحائط بكل المشاعر الدينية ليس لسكان القدس فقط بل ولكل مسلمي ومسيحيي العالم.

5. أخيراً، شكل الجدار العازل الشعرة التي قصمت ظهر البعير بان جرى عزل المدينة كليا عن محيطها العربي الفلسطيني وأصبح الوصول إليها عملا شبه مستحيل من خارجها, كما أن البقاء بداخلها من قبل أبنائها شكل عبئا كبيرا عليهم بان أوجد تعقيدات حياتية لهم ولحياتهم الاقتصادية والاجتماعية خصوصا وان غالبيتهم العظمى يرتبطون بعلاقات متنوعة وراسخة مع محيطهم مثل مدن بيت لحم ورام الله.

هذه هي مدينة حروفي الأولى وخطواتي الأولى وحنيني الذي لا ينقطع، وفي نفس الوقت ألمي المتواصل, الذي سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تكريسه وبشكل متواصل، بما يضمن تنغيص حياة الفلسطيني داخل القدس بأسوار التاريخ وجدران الاحتلال وأبراج المستوطنين المتواصلة الصعود في ظل منع الفلسطيني من الاقتراب من حجر واحد من جدران بيته أو حتى من مجرد التفكير بالبناء على أرضه.

تعودت أنا وكل الناس أن تبقى القدس دون أسر لكن الاحتلال يرفض إلا أسر القدس، يرفض الشجر والبشر والإنسان، ويقود بنا إلى ملحمة المجازر يبحث عن غبار يلوث به أتربة السور العتيقة. أريدها للجميع، أريدها حرة غير مكبّلة، أريدها للغات جميعها وللآهات جميعها ولكل البشر، أريدها ممتلئة بحب الأرض للماء، تعشق العدالة وتبحث عنها. لا تميز بين لوني ولا شكلي ولا عنواني، أريدها من غير حواجز الخوف .

تلك هي القدس مدينتي التي أحب، ومدينتي التي احلم يوما بان أجدها حاضنة للإيمان والمحبة والسلام بين سائر بني البشر. القدس كما وصفها احد الكتاب الفلسطينيين " اقرب نقطة إلى السماء وأعمق نقطة في الأرض، وهي تلك الأرض التي لا يمكن للظلم أن يدوم على أرضها، فهي التي اختارها الله مركزا لرسالاته ورمزاً لعقابه في طي الأرض بظالميها". هذه المدينة شاهدة على ارض العقاب التي خسفها الله بالظالمين لتصبح أعمق نقطة على وجه الأرض.

عندما غنت فيروز العرب "القدس يا حبيتي، أعدْتِ لي كرامتي أعدْتِ لي حريتي"، أبكت نساء العرب وتجاوزت كل المشاعر. ينبغي لها أن تُعلم أولئك الذين يمارسون الظلم والإجحاف اليوم بأبشع صوره أن الظلم على ارض القداسة وفي عاصمة الإيمان مستحيل.
والسؤال هو ترى إلى أين يريد الاحتلال الإسرائيلي أن يصل؟ وهل عزل القدس وتهويدها هو الطريق الممكن إلى السلام ؟

هل تعتقد حكومة الاحتلال أن السلام لليهود ممكن بالجدران والأسلاك الشائكة وتقليص عدد السكان المسلمين إلى جانب زيادة عدد المستوطنين اليهود؟ وهل هناك في إدارات الاحتلال من يتخيل أن المؤمنين من المسلمين والمسيحيين في سائر بقاع الأرض سوف يتنازلون طواعية عن قداسة القدس في معتقداتهم, حتى ولو كان ذلك يبدو ممكنا اليوم؟ إن التاريخ لا يقبل ما هو طارئ وهو عادة ما يعيد صياغة نفسه ويصحح مساراته الخاطئة ولو بعد حين, وذلك يعني أن السلام لا يأتي أبدا بالاحتكار المطلق للسيطرة على الأرض وإغلاق السبل أمام مشاعر الآخرين تجاهها.

لذلك علينا أن نجيب على أهم سؤال: كيف نتجنب هذا التصادم وكيف نعزز القدس كمصدر للاتفاق والرؤية الغير متصارعة والمتناقضة بل المتعاونة والبناءة لما فيه صالح الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وصالح الشعوب العربية والإسلامية والعالم المسيحي والإنسانية جمعاء؟

القدس وفق كل المعطيات ما زالت الأكثر تضررا من الصراع، وقد طال هذا الضرر كافة المستويات والمرافق، وهذا ليس صحيح فقط عندما يتعلق الأمر بالجانب الفلسطيني الذي عانى من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، بل يطال القدس الغربية والسكان اليهود للمدينة. فالقدس ضحية الصراع ووقوده وهي الشعار الذي يستخدم دوما للتصعيد.

السبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو التوصل إلى تسوية سياسية تتيح المجال أمام التحول السلمي وبناء هذه المدينة كمركز وعاصمة ومدينة عالمية. فمكانة القدس العالمية ستشكل الطاقة للنهوض بالمدينة بعدما عانت منذ أكثر من أربعة عقود من تقطيع الأوصال والتجزئة والفقر والتهميش وحدود مواجهة.

بناء القدس كمدينة عالمية تملك كل المقومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنهوض بها وبأبنائها وتغيير الصورة والنظرة القائمة من مدينة صراع ومعاناة إلى مدينة الفرص العالمية ومعيار الاستقرار والرخاء للمنطقة، يمكن أن يتحقق من خلال المبادئ التالية التي تشكل أساس مقترح للوصول إلى حل يحقق أكبر قواسم مشتركة بين طرفي

الصراع:

1. إن الطريق إلى السلام يبدأ من القدس مدينة الله على الأرض ومدينة كل عباده من سائر الأديان السماوية، وهي بذا يمكن لها أن تلعب دوراً أساسياً بدل ما يريدونه لها من أن تكون مركز الصراع والخلاف.

2. القدس عاصمة لدولة واحدة موحدة يعيش بها الجميع على قدم المساواة, لتكون عاصمة لأرض الله وارض السلام ومركزاً لنشر رؤية السلام الحقيقية على الأرض. وان لم يكن ذلك ممكناً فان القدس يمكنها أن تكون عاصمة موحدة للدولتين تمثل الفصل السياسي بين العرب واليهود من جانب وبنفس الوقت تؤسس لغد مفتوح بترك الوصول إلى المدينة مفتوحا لسائر بني البشر كعاصمة للإيمان بالله على الأرض.

3. لنرسم حدوداً بين العاصمتين تكون مفتوحة ولا يوجد فصل فعلي يقسمها. المدينة مفتوحة تتيح تنقل الأفراد والبضائع والقيم بين العاصمتين، ويتم فرض نقاط رقابة لمعالجة القضايا الأمنية وبشكل لا يؤثر على مبدأ الحدود المفتوحة

4. النظر إلى المدينة المفتوحة هو مقوم أساسي لتعزيز المكانة العالمية للقدس وتقويتها. فالوظائف الدينية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، المرتبطة بهذه المكانة ستشكل رافعة للنهوض بالمدينة لتكون عاصمة عالمية للإنسانية بالإضافة إلى كونها عاصمة سياسية لدولتين.

5. عدم تقسيم البلدة القديمة لأنها قطعة فسيفساء تعود لكل البشر، ويجب تحقيق أكبر تعاون بين الطرفين لتعزيز المكانة والدور العالمي لكل شعوب العالم ، فلنحدّ من الصراع الديني والصراع على الهيمنة وعلى الهوية والنظرة للمدينة. لننظر بشمولية إلى هذه المدينة التي هي "العلامة التجارية" المشتركة للطرفين وللعالم بأسره، وهو الفئة المستهدفة والمستفيدة.

6. العمل على تعزيز الوجود الدولي والإقليمي للثقافة والأديان والتعليم العالي، ومراكز الأبحاث ومقار الجامعات والمؤسسات الأكاديمية التي تعنى بدراسات الصراع والسلام في العالم.

7. بناء القيم الإنسانية المشتركة بين الشعبين من خلال تعزيز مفهوم ثقافة السلام وثقافة التفاهم والحوار بين الشعوب.

يا محبّي السلام ويا قادة العالم، أيها المحبون للإنسانية، يا صناع العدالة الاجتماعية والقيم الإنسانية. اصنعوا السلام في ارض السلام لا تفوتوا الفرصة ولا تبحثوا عن وهم. لنرحل غير مكبلين بدياناتنا ولنرحل للقدس بسلام الشجعان لنبني ارض السلام في محراب السلام

###

* تمثّل جهاد أبو زنيد القدس في المجلس التشريعي الفلسطيني وهي مؤسسة ورئيسة اللجنة الإدارية لمركز المرأة في مخيم شعفاط للاجئين الفلسطينيين في مدينة القدس الكبرى. تقوم خدمةCommon Ground الإخبارية بتوزيع هذه المقالة الذي يمكن الحصول عليه من الموقع الإلكتروني www.commongroundnews.org .

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 10 أيار/مايو 2007
تم الحصول على حق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذا العدد
شروط السلام
حلقة مفقودة: الاعتراف بالطروحات التاريخية كجزء من صنع السلام
كيف يمكننا العيش معاً
إسرائيل مخطئة جزئياً
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذا العدد

شروط السلام بقلـم إسرائيلا أورون
حلقة مفقودة: الاعتراف بالطروحات التاريخية كجزء من صنع السلام بقلـم بول سكام
كيف يمكننا العيش معاً بقلـم فؤاد أبو حامد
إسرائيل مخطئة جزئياً بقلـم أموس أوز