ر غم كل الحواجز

بقلـم جهاد أبو زنيد
22 مايو/آذار 2007
طباعة
بريد إلكتروني
القدس - فلسطينية مقدسية، ولدْتُ في زقاق المخيم وعشت طفولتي هناك كلاجئة لا تعرف إلا شيئا واحدا: أنهالاجئة في وطنها. كلمات كنت اسمعها كثيرا لم أكن افهمها أبدا لأنني كنت أعيش طفولتي التي قهرت كل موازين العدالة الاجتماعية. كنت كل يوم انطلق من هويتي أنني فلسطينية وعلى بعد أمتار من مكان جمعني بأهلي وأحبتي وجمعني بأناس لم اعرفهم لكنهم شاركوني حبي لوطني ولجوئي و حبي لقدسي . هذه القدس التي كنت أرى فيها حلمي كفتاة تريد أن تكون مثل كل البشر. وكنت هنا أرى شعبا أخر يقال أنه عدوي. وكنت اسمع صرخات أمي وأبي وخوفهم على عائلتي الكبيرة نوعا ما. أبي كان حارساً للمسجد الأقصى المبارك، مكان القداسة والتاريخ ورمز ارتباطنا بأكثر بقعة مقدسة على وجه الأرض، أو كما يقال اقرب بقعة في الأرض إلى السماء. تعلمت من والدي حبي للأقصى وللبلدة القديمة التي احتضنتني في أزقّتها وبوّاباتها الجميلة، حيث كنا نتنافس لمعرفة كل أسماء بوّابات مسجدها. وكنت اهرب من هناك لأذهب إلى كنيسة القيامة دونما أدنى شعور بأي تغيير في إحساس القداسة والانتماء: في الأقصى تماما كما في القيامة، فلسطينية منغرسة بكل كيانها بالوطن وللوطن. ويوما بعد يوم كبرت وأصبحت أرى الأمور بمسمياتها، أرى أنني لاجئة وارى أنني مقدسية وارى أني محتلة وأرى عذاب الأمهات .

هنا تعلمت أن حبي لوطني هو عزتي وشموخي كطفلة وكأنثى, ورحلت بمخيلتي لأدخل معترك الحياة. كبرت إلى أن جاءت انتفاضة شعبية هزت ما بداخلي لأرى نفسي مسئولة وبشكل غير طوعي وإنما من خلال زنزانتي، عن حبي لوطني.

بدأت أشارك في العمل السياسي والوطني، ورحلت مرة أخرى إلى قدسي أدافع عنها وأحبها أكثر يوما بعد يوم، وأدافع بكل الوسائل عنها واقهر الاحتلال وأقاومه. وهنا ترجمْتُ أفكاري لاحترام كل الديانات السماوية من خلال حبي لصديقاتي المسيحيات اللواتي شاركونا همومنا ، وكنت أُقهر عندما أرى أي إسرائيلي يتجول في بلدي وارضي وأنا لا استطيع أن انعم بوطني وانعم بكل ما هو جميل فيه.

لكن لأنني من الأرض ومن الشعب أدركت أنني يجب ان أتعرّف على الكثير.

كانت هويتي واضحة. لم أدرك إنني سوف أتغير من اجل وطني وعملت على متابعة كل ما هو خاص بالقدس. كنت في كل يوم أقوم بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في القدس من خلال عملي في مركز المعلومات الفلسطيني في جمعية الدراسات العربية ، وكنت أبكي كل يوم وانأ أرى دموع الأمهات وآهات الأخوات والنساء والأطفال وخاصة عندما أرى بيوتا تهدم بلا ذنب إلا الاحتلال .

هنا فُرِض علي أن أتغير. أدركت من خلال عملي أننا بشر وأن حقوق الإنسان ليست فقط توثيقا للانتهاكات بل العمل في الدفاع عن حقوق البشر وتعريفهم بحقوقهم، وهي حق لكل الإنسان. وهنا أدركت أن هناك فرق بين اليهودي وبين الاحتلال، وبين عمومية حقوق الإنسان. أدركت هنا أن اليهودي إنسان وان الإنسان العادل لا يعشق الاحتلال، وبدأت اعمل في مجال متابعة قضايا المرأة والمعتقلين وقضايا حقوق المرأة والنوع الاجتماعي وقضايا الدفاع. ابكي عن حق المرأة وحق الجنسية وحق الطفولة وحق المعاق وحق الشعب بتقرير مصيره .

في الانتفاضة الأولى ولأول مرة بدأت من خلال عملي الميداني التقي بنساء إسرائيليات مدافعات عن حقي كإنسانة تعيش تحت الاحتلال. هؤلاء النساء كن يتركن بيوتهن للدفاع عن النساء والأطفال ضد الاحتلال ويقمن بتزويد المخيمات والقرى أثناء منع التجول بالمواد التموينية اللازمة. كانت صدمة ايجابية، وبدأت اعمل والتقي بنساء وأشاركهن بمسيرات من أجل الحرية والاستقلال. وأدركت أن كل النساء يعانين من نتائج الحروب والاحتلال، وأنهن أول المتضررين .

شعرت أننا جميعا بشر، لكننا لم نعرف أننا تحولنا إلى أعداء نتيجة, لإرادة من خطط لان نكون شعباً محتلاً. بدأت هنا اشعر أنني بحاجة لأن اعمل الكثير لشعبي. وشعرت رغم كل العطاء أنني ما زلت مقصّرة وعليّ واجب أكبر. قمت بتأسيس مركز نسوي جماهيري ينتمي إلى قدسي، ولكل النساء بغض النظر عن أفكارهم. النساء المهمشات والمضطهدات نفسيا وسياسيا واجتماعيا. علاقتي بهذه المؤسسة التي ترعرعت يوما بعد يوم، أصبحت جزءا هاما من تكويني، تراعي اهتمامات النساء وتطور قدراتهن، لأنهن يعيشن ظروفا صعبة نتيجة للجوئهن عن أرضهن وتهجيرهن.

في يوم 13/9/1993 التقى رئيسان كانا يتحاربان، في البيت الأبيض ليوقعا معاهدة للسلام. لكن السلام ليس بحاجة إلى أوراق وعقود، بل إلى تطبيق عملي على الأرض. وهنا أصرّيت أن أكون جزءا من هذا النسيج. أريد أن اصنع سلاماً يجعلني أعيش بكرامة ويجعلني أعمل لأبني كيانا لي يجعل للحياة أملاً، ويرحل بي إلى وطني الذي غُرّبت عنه.

وهنا كبرت فيّ قوة الإرادة للبدء بتحفيز غدي من خلال دعم مشاركة المرأة في بلورة قضاياها للسلام والحرية، وتعلمت أفق العدالة الاجتماعية التي حرمت منها، وكبرت فينا أن نتعرف على الغير, أي الإسرائيلي من منظور الصورة التي رسمت لليهودية. وهنا ومن خلال بعض النساء تلمّسنا أهمية متابعة قضايانا النسوية التي ضاعت بين مقاومة الاحتلال وبين قضايانا الاجتماعية والمجتمعية التي ترتبط بكل شعبنا، وخاصة نضالنا في بناء دولتنا الفلسطينية على أسس ديمقراطية. وبدأنا بعقد لقاءات نسوية من خلال مراكز مقدسية تعمل للسلام. لأول مرة شعرت، كفتاة تعيش تحت الاحتلال أن هناك أهمية كبرى للتحاور والجلوس على طاولة واحدة كأمهات فلسطينيات مع أمهات إسرائيليات، حرمن من أبنائهن بسبب الاحتلال. وجلست النساء المنكوبات تناقشن همومهن اليومية مع الطرف الأخر، حيث كانت المفاجئة أن الهموم هي نفسها واننا نعيش مشاكل البطالة والقضايا الاجتماعية التي تختلف نوع ما, لكن يجمعها احتلال لا يعرف معنى للإنسانية، ولا يعرف كم من الأمهات بكين فلذات أكبادهن وحرمن منهم سنوات طويلة. تبادلت هنا النساء الفلسطينيات والإسرائيليات الهموم وتبادلن المعلومات وبدأ الحوار يأخذ دورا ثانيا.

هنا أدركنا كنساء، قبل أن يدرك القياديون وصنّاع القرار، وقبل أن يدرك وزراء الدفاع في جيش الاحتلال، كم هو جميل أن نحاور بعضنا البعض وكم هو عظيم أن نتشارك معاً لنفهم ونستوعب الأخر، وكم هو مقيت أن نكون أعداء، وكم هو مقيت أن يكون الاحتلال بديلا للسلام.

كنا نخرج بالالآف، نساءاً ورجالاً، فلسطينيين وإسرائيليين ، منددين بالاحتلال ومؤكدين على أن السلام طريقنا. ويوما بعد يوم أصبح هذا سرابا. لم نعد نرى هذه القوافل المؤيدة للسلام. أهي رحلت مع رحيلهم أم ماذا؟

علينا أن نعطي فرصة لكل الشعوب أن تحاور اللآخر، ونعطيها فرصة المساهمة في صنع السلام لان تجارب الأمس مهمة للمستقبل. فالسلام العادل هو الذي يعترف بحق الشعوب المحتلة. عليكن أن تدركن ان حركة حماس وكل الفصائل، هي مكونات الشعب الفلسطيني. لا نستطيع أن ننكر أياً منها. عليكم إعطاء الفرصة للقوى المحبة للسلام، ولنقضِ على كل من يحاول قتل حلمنا في الاستقلال والسلام العادل للجميع، وأن ننبذ فكرة تدمير الأخر.

نعم أنا امرأة وأنا مسئولة عن شعبي، بحكم أنني أُربّي وأتحمل المسؤولية الكبرى. لكن أنا من تصنع السلام. أنا رغم كل ما الم بي من ظلم أقول وبصوت عالٍ:

لا بديل لنا إلا السلام ولن نقف مكتوفي الأيدي. نحن من يصنع، والرجال هي التي تصنع الحروب!

حان الوقت يا نساء العالم ويا نساء إسرائيل وفلسطين لأن تطالبن قادتكن. كفى احتلالاً وكفى عنفاً وكفى ألماً. نريد أن نبني مستقبلاً قائماً على السلام العادل, السلام لكل أفراد الشعب وليس سلام النخبة. سلام الشعب مع الشعب. النزاع لا يرث إلا نزاعاً، ونحن الأكثر معاناة. حان الوقت لنقول لا، ونبني الأرض والإنسان .

###

*جهاد أبو زنيد : عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني ممثلة محافظة القدس. مؤسسة ورئيسة مركز المرأة في مخيم شعفاط. تقوم خدمةCommon Ground الإخبارية بتوزيع هذه المقالة الذي يمكن الحصول عليه من الموقع الإلكتروني www.commongroundnews.org .

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 17 أيار/مايو 2007
تم الحصول على حق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذا العدد
الاستبسال بحثاً عن الأمن
الوصول إلى "نعم" وإدراكها
التركيبة السكانية للقدس
لقد عاد صانعو السلام
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذا العدد

الاستبسال بحثاً عن الأمن بقلـم جيلا سفيرسكي
الوصول إلى "نعم" وإدراكها بقلـم رافي دجاني ودانيال ليفي
التركيبة السكانية للقدس بقلـم غيرشون باسكن
لقد عاد صانعو السلام بقلـم كلود صالحاني