الاستبسال بحثاً عن الأمن

بقلـم جيلا سفيرسكي
22 مايو/آذار 2007
طباعة
بريد إلكتروني
القدس – مفهوم "الأمن" في إسرائيل مفهوم قوي، وهو يُستَخدَم لتبرير كافة الأعمال العسكرية بما فيها احتلال المناطق الفلسطينية والميزانيات الهائلة المخصصة لذلك. بالطبع، لقد تم تطوير هالة من الغموض حول موضوع الأمن. "الأمن القومي" تعبير يُستحضر ليس فقط بهدف زيادة الميزانيات العسكرية وإنما كذلك لإسكات الانتقادات ومنع الشفافية. الجهود التي بُذِلت مؤخراً لمنع نشر شهادات حول الحرب الثانية في لبنان، تمت على أساس موضوع "الأمن". يمكن استخدام "المخاطرات الأمنية" كتبرير عقلاني لمنع المتهمين من رؤية الإثباتات ضدهم في المحاكم. لا يستطيع سوى كبار المسؤولين فقط الحصول على معلومات كاملة حول الأمور المتعلقة بالأمن، وهم يحجبون هذه المعلومات عن نور الدراسة والحوار العام. ونتيجة لدور الرجال في المؤسسة العسكرية، حيث أن الرجال هم الذين يتخذون القرارات العسكرية والسياسية الرئيسية، فإن الرجال وآراءهم لها قيمتها وأهميتها على النساء وآرائهن، الأمر الذي يمعن في التفرقة والتمييز. هناك الكثير مما يمكن أن يقال، بل ويجب أن يقال حول هذا الموضوع.

إلا أن الأمن كان له في يوم من الأيام معنى أوسع بكثير من التعريف العسكري، من الصعب أحياناً استذكارهذا الاستخدام "الأقدم" للأمن. إلا أن الجهود لاستعادة ذلك تمت في السنوات الأخيرة، ويطلق عليها اسم "الأمن الإنساني" وتضم نواحٍ من النشاط مثل:

* الأمن الاقتصادي: أن تكون عندك وظيفة أو عمل وسقف فوق رأسك وأسلوب للوصول إلى الرعاية الصحية.

* الأمن الشخصي: الأمن من العنف المتعلق بالنوع الاجتماعي والحماية من الجريمة وأمن الأطفال من المخدرات.

* الأمن البيئي: معرفة أن ماء الصنبور نظيف ونقي، وإمكانية الوصول إلى شواطئ نظيفة وتوفر هواء نظيف نتنفسه.

إلا أنه وعبر أجيال عديدة لم يتمتع لا الفلسطينيون ولا الإسرائيليون بالأمن، لا بمعناه الضيق ولا الواسع. كلا المجتمعين عاشا في حالة مستمرة من الرعب وانعدام الأمن لسنوات عديدة. ورغم أن الفلسطينيين دفعوا ثمناً أعلى مما دفعه الإسرائيليون نتيجة لهذا النزاع، إلا أنه من الواضح أن الإسرائيليين كذلك يعيشون في حالة مستمرة من الخوف وانعدام الأمن.

إلا إنك إذا تحدثت مع الإسرائيليين عن الاحتلال، فسوف يقولون لك أنه لا يمكن لإسرائيل مغادرة المناطق المحتلة بسبب "الأمن". أفضل أسلوب للحافظ على الأمن، كما يقولون هو البقاء في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وإنشاء "جدار أمني" ضخم ومحاصرة قطاع غزة. الغريب في الأمر أن قلة من الإسرائيليين فقط يتوقفون ليفكروا ما إذا كانت هذه الإجراءات العسكرية توفّر الأمن الذي طالما بحثنا عنه، أو أنها كانت لها نتائج عكسية وعملت على تعميق الخوف وانعدام الأمن.

لقد بدأت حركة السلام النسائية في إسرائيل بالعمل على هذه القضية. أطلقنا عليها تعبير حملة من أجل "إعادة تأطير الأمن"، لتوسيع مداركنا عن الأمن. نحن نسعى لأن نثبت للإسرائيليين بأن الأمن ليس هو النتيجة النهائية لأن يكون لنا جيش قوي عدواني وإنما هو نتيجة لمجال واسع من النشاطات يضم العيش في مجتمع يهتم بفقرائه ويحد من العنف ويحمي مصادره الطبيعية ويتعايش بسلام مع جيرانه. بالتأكيد تسعى هذه الحملة لتكريس مفهوم أن "السلام هو الأسلوب الأفضل لتشجيع الأمن".

كجزء من هذه الحملة، نأخذ الإسرائيليين في "رحلات عبر الواقع" لنريهم جدار الفصل، ونُدخلهم منازل فلسطينيين فصلهم الحاجز عن أرضهم وأعمالهم ومدارسهم، ونعطي الفلسطينيين فرصة ليخبرونا عن حياتهم وكيف غيّرها الجدار. بالنسبة لمعظم الإسرائيليين هذه هي المرة الأولى التي يتحدثون فيها مع فلسطينيين. نحن نُحضر الإسرائيليين إلى الحواجز ونقاط التفتيش ليراقبوا بأنفسهم معاملة الجنود الإسرائيليين للفلسطينيين الذين يحاولون العبور. كذلك نأخذهم ليروا أجزاء من إسرائيل أهملها القادة السياسيون: المناطق الفقيرة وملاجئ النساء اللواتي تعرضن للضرب والإساءة، والقمامة غير المصنعة والمتاجرة بالنساء ومراكز الرعاية الصحيّة غير المناسبة، والمدارس سيئة التجهيز. نساعد الإسرائيليين على استنباط الروابط بين مجتمع يضع موارده في الاحتلال والاستيطان ويفشل في التعامل مع المشاكل الاجتماعية التي تنخره.

تشكّل هذه الرحلات تجارب عنيفة، فهي تتعمق إلى ما وراء ما يراه الإسرائيليون في وسائل الإعلام، وتُظهر لهم شريحة من الواقع لم تراها أعينهم من قبل. ثم يتساءلون بعد ذلك: هل تعتقد أن سياسات حكومتنا عززت أمننا؟ أم هل عرضته للمخاطر؟

نأمل أن تتراجع المدركات السابقة وتفتح المجال لمفهوم جديد بأن إسرائيل لن تتمكن في يوم من الأيام من أن تخاطب احتياجات شعبنا حتى يتم الوصول إلى اتفاق عادل مع جيراننا، وبأن الأمن بمعناه الضيق أو الواسع معرض للخطر بسبب الفشل في تحقيق تفاهم سياسي مع الفلسطينيين.

ركزت النساء منذ سنوات عديدة على قضايا الأمن الإنساني، مدارس أفضل وخدمات صحية وبرامج إزالة الفقر وقضايا العنف ..الخ، وكنها لم تسمّها "أمناً". والآن وبدلاً من محاربة المفهوم، نحن نعمل على إعادة تأطيره حتى يشجع نوع المجتمع الذي نرغب بالعيش فيه.

هذه الحملة هي أكثر من إستراتيجية. إنها إيمان أساسي راسخ بأن كافة أشكال الأمن هذه حاسمة وخطيرة، وأنه لن يكون بالإمكان أبداً تحقيق مساحة مشتركة من السلام والازدهار والتقدم، لا لإسرائيل ولا للفلسطينيين، حتى يتم تحقيق تسوية عادلة ودائمة.

###

*جيلا سفيرسكي ناشطة مخضرمة في مجال السلام وحقوق الإنسان، وهي حالياً رئيسة مؤسسة بتسليم: مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة. وقد كانت المؤسِسّة المشاركة لتحالف المرأة من أجل السلام وهي عضوة دائمة في منظمة النساء المتشحات بالسواد. تقوم خدمة Common Ground الإخبارية (CGNews) بتوزيع هذا المقال المختصر، ويمكن الحصول عليها من الموقع الإلكتروني.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 17 أيار/مايو 2007

تم الحصول على حق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"توفّر مقالات خدمة Common Ground الإخباريّة للشرق الأوسط الأمل بأن هناك أناسا يعملون على حلول تلهمها الحاجة إلى التعايش بتسامح وبأمل بمستقبل أفضل."

- كريستوفر باتن، مفتش العلاقات الخارجيّة السابق في الهيئة الأوروبيّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذا العدد
ر غم كل الحواجز
الوصول إلى "نعم" وإدراكها
التركيبة السكانية للقدس
لقد عاد صانعو السلام
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذا العدد

ر غم كل الحواجز بقلـم جهاد أبو زنيد
الوصول إلى "نعم" وإدراكها بقلـم رافي دجاني ودانيال ليفي
التركيبة السكانية للقدس بقلـم غيرشون باسكن
لقد عاد صانعو السلام بقلـم كلود صالحاني