الهداية والديانات العالمية

بقلـم حليمة كراوسن
طباعة
بريد إلكتروني
هامبورغ – قبل بضعة شهور، تسبب تقريران بالإثارة والهيجان. أشار أحد التقريرين إلى أن "أربعة آلاف ألماني تحولوا إلى الدين الإسلامي السنة الماضية"، وأفاد التقرير الثاني بإنشاء "مجلس للمسلمين السابقين". من المفترض أن تُعتبر هذه الأمور قضايا جانبية في مجتمع علماني حيث تضم حقوق حرية الفكر والضمير والدين حرية التحول عن الدين. إلا أن الموضوع في واقع الأمر تسبب بقلق بالغ في أوساط كل من الكنائس والمسلمين، إذ تخاف كل مجموعة من أن يساهم هؤلاء الذين تحولوا عن دينهم بنشاط في إذكاء جو من العداء بدلاً من اختيار دين أو عقيدة أخرى بهدوء.

يبقى التحوّل موضوعاً حساساً تحت الغطاء العلماني. أليس الدين إذن قضية غاية في الخصوصية؟

قد تبدو المجتمعات الدينية، من ناحية اجتماعية، مثلها مثل أية مجموعة اجتماعية أخرى. مبدئياً من المحتمل أن التقليد الديني كان مماثلاً لقوانين القبيلة وشعائرها، مما له معنى منطقي في بيئته الجغرافية والاقتصادية، بما فيها الألوهيات المحلية والقبلية. ونجد بقايا من هذا النظام في الشرق الأوسط حيث نشأ الطرح الديني وتطور، أو في العديد من التقاليد في شبه القارة الهندية تحت مظلة الهندوسية.

ولد الناس في هذه التقاليد. وإذا كان التحول قضية من نوع ما فقد كانت قضية تبني أو نوع آخر من التكامل. ومن بين عدد قليل من قصص الخيار الشخصي في الإنجيل قصة راعوث التي تقول لحماتها "سوف يكون شعبك شعبي وإلهك إلهي" (راعوث 16:1).

على هذا "المستوى القبلي" فإن الأمل في خير ورفاه وقوة العدد لمجموعة الإنسان هي أمور طبيعية، وكذلك الحاجة لرسم خطوط فصل واضحة بين "نحن" والآخرين، والإصرار على الولاء للمجموعة. ويبدو مفهوم الحرية الدينية من وجهة النظر الفردية غريب في هذا المضمون. "التخلي عن المجموعة" يساوي التحول في الولاءات، ويُنظر إليه على أنه خسارة أو خيانة، ويؤدي إلى الفجيعة والحرمان أو حتى الاضطهاد بسبب الارتداد.

على صعيد آخر يعتبر الدين سبيلاً يتعلق بالإعداد لهدف والتزام شخصي. وهو مُمثَّل بأفراد متنورين مُلهَمين جمعوا بين نقد المظالم الدينية والاجتماعية داخل مجتمعاتهم المحلية برؤى مستقبل أكثر اتزاناً ومعنى كالأنبياء التوارتيين وبوذا. النتيجة المنطقية هي تعليم هذه الأفكار المعمقة للغير. وهكذا واجه الأنبياء الملوك والكهنة لتحذيرهم من مغبّات الوثنيّة والظلم الاجتماعي. علماء البوذيين قدموا لممالك الشرق الأقصى طريق السبل الثماني. وكان للعلماء اليهود أتباع في الإمبراطورية الرومانية إلى أن مُنعوا من قبول المتحولين إلى الدين اليهودي تحت طائلة عقوبة الموت. ونشر المبشرون المسيحيون، يُحفزهم قول الإنجيل "اذهبوا وعلّموا جميع الشعوب" (متى 19:28) رسالتهم بالخلاص عن طريق الإيمان. كما دعا علماء المسلمين الآخرين إلى التوحيد الأخلاقي، مصرين على أنه "لا إكراه في الدين" (سورة البقرة 256:2).

وقد حلت الحركات التي بدأت تبرز أحياناً مكان "القبيلة". جرى الترحيب بالمتحولين الجدد، حتى ولو حفزتهم المصالح الشخصية، مثل الوضع الاجتماعي الأفضل. إلا أن الولاء نفسه كان متوقعاً، ليس فقط للمجتمع المحلي وإنما لسبيله إلى الخلاص. بحصول ذلك أصبح للخط الفاصل بين "نحن" و"الآخرين" بعداً جديداً ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقياً). فرغم أن النظم الدينية لم تكن في يوم من الأيام كتلاً حجرية أحادية الوجود، وإنما آثرت ببعضها بعضاً بأساليب مختلفة، كانت هناك كذلك مطالبات بالحصرية. وبمنطق مبسط جداً، إذا كانت "طريقتنا" هي الأصحّ إذن فأي سبيل آخر يجب أن يكون ضلالاً وانحرافاً، وفي أسوأ الحالات، تهديداً يتوجب علينا أن ندافع عن أنفسنا منه، وهو توجه يعني خلع صفة الشيطانية على "الآخر".

من ناحية أخرى، يفرض علينا حبنا لإخواننا في الإنسانية أن ننقذهم بتحولهم إلى "طريقنا". ونرى هذه الفكرة في تصرفات بعض المبشرين المسيحيين، وكذلك بين بعض المسلمين، رغم أن رسالات كشف النقاب عنها سابقاً أكد القرآن الكريم عليها بوضوح يتطلب فيها من الشعوب من كافة الأديان أن "فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم" (سورة المائدة 48:5). في الواقع، يبدو أن المجتمعات الدينية تتنافس في الجدل والغيظ بدلاً من الأعمال الصالحة، فتعزل نفسها عن جوهر تقاليدها الأخلاقي والروحي. ولا غرو إذن أن الدين يعتبر أحياناً عامل نزاع بدلاً من عامل مصالحة وسلام.

مع تزايد صعوبة العالم وتعقيده وتشابكه، برزت مشاريع لحوار الديانات ترتكز على مبدأ إنسانيتنا المشتركة: جميع البشر يسعون للسعادة. هذه الحوارات تشجع التفاهم والثقة. ولكن حتى يتسنى لنا التعامل مع عالم تعددي، فإننا في اتجاهين أولهما البحث عن أدوات داخل مصادرنا الدينية. قد يأخذني التأمل القرآني في منظور الإله الواحد والتنوع في الخلق، بما في ذلك تعدد الألوان والمواقف بل وحتى الشعائر الدينية بين بني البشر، إلى ما وراء الخلافات القبلية واقتصار السبل على رؤية هدف مشترك للشفاء والسلام. الاتجاه الآخر استكشاف مصادر ديننا معاً، وهي ليست فكرة جديدة. من خلال الدراسة مع زملاء من ديانات أخرى اكتشف علماء المسلمين والمتصوفون أحياناً كيف أن هذه الألوان والظلال المختلفة المتمثلة في تقاليدنا هي في الحقيقة وجوه للنور الواحد.

###

* حليمة كراوسن هي مديرة مبادرة الدراسات افسلامية واحد ائمة هامبورغ. هذا المقال جزء من سلسة عن الردة والهداية، تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيعه، ويمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 2 تشرين الثاني/أكتوبر 2007
www.commongroundnews.org.
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
الموت دي
رسالة النبي (ص) واضحة: تعايشوا
أكتبوا عن هذا في السودان
الحفاظ على الإيمان من خلال حوار الديانات
حق الإنسان في التحول عن دينه
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

الموت دي بقلـم كلود صالحاني
رسالة النبي (ص) واضحة: تعايشوا بقلـم هشام الزبير
أكتبوا عن هذا في السودان بقلـم ايلين إف ديفيز
الحفاظ على الإيمان من خلال حوار الديانات بقلـم الأب ديفيد غراي
حق الإنسان في التحول عن دينه بقلـم الشيخ عبد الله أدهمي