بروكلين – نكتب هذا المقال يوم 11 أيلول/سبتمبر 2007، وهو يوم تشكّل ذكراه معنى خاصاً عندنا. نحن الأب خضر اليتيم، ومارشا كانري، العضوان في مجلس "مشروع الحوار"، وهو منظمة تعمل مع جاليات متعددة الأعراق متنوعة الأديان في منطقة مدينة نيويورك. نحن بالتحديد نأتي بالحوار إلى جاليات حيث يعيش عرب ومسلمون جدد ويعملون إلى جانب سكان قدامى من أعراق متنوعة. نستخدم الحوار لمساعدة الناس على تعلم تثمين العقائد والثقافات المتنوعة ومخاطبة النزاعات عبر المجموعات.
بالنسبة لنا نحن الإثنين، مارشا الأميركية اليهودية الإسرائيلية والأب خضر الأميركي الفلسطيني المسيحي، تمثل هذه المقالة نصراً إذ إننا لم نترك المجال لأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر والنزاع المستمر في فلسطين وإسرائيل أن تفرق بيننا. بدلاً من ذلك استخدمنا البيئة الآمنة للحوار المنسّق للتعامل مع قضايا تسبب الألم والمعاناة، ولتبادل قصص تثير ضحكنا. هذا الاستعداد للتعامل مع خلافاتنا بأسلوب إيجابي مثمر يجلب لنا الأمل.
قامت مارشا بإنشاء مشروع الحوار في ربيع عام 2001 لدى وعيها بالتوتر المتزايد بين اليهود والعديد من العرب والمسلمين في بروكلين. قامت بتنظيم برنامج مواجهة في كنيس محلي حضره أكثر من مائتي شخص من أعضاء المجتمع، 85 منهم سجلوا في أول حلقة حوار في أيار/مايو من ذلك العام.
قام الأب خضر، قس كنيسة السلام العربية اللوثرية في أثناء ذلك بتطوير علاقات مع قادة مسلمين ويهود محليين في باي ريدج، وهي ضاحية يكثر فيها المهاجرون العرب والمسلمون. وقد ساعد على إيجاد مجموعة عمل عملت على تنظيم مناسبات لبناء الجسور. التقينا في إحدى هذه المناسبات، وانضم الأب خضر إلى مجلس مشروع الحوار.
يعقد مشروع الحوار الآن ست حلقات حوار تركز على الشرق الأوسط، إضافة إلى "الحديث عبر الخلافات" وهو برنامج يستخدم الحوار لكسر حواجز الشك في الأحياء حيث يختلط سكان عرب ومسلمون مع جاليات أقدم من الإيطاليين والإنجليز والإيرلنديين واليهود والنرويجيين والأميركيين الإفريقيين والآسيويين والأميركيين اللاتينيين.
يؤكد نموذج الحوار الذي نتبعه على الإنصات النشط والمفكر لإيجاد بيئة يشعر فيها الناس بالحرية للتعبير عن آرائهم دون خوف من أن يُحكم عليهم. الأهم من ذلك كله أننا لا نستثمر في، أو نتوقع نتيجة نهائية محددة. وهذا يعني أن الذين يبقون بعيداً عن بعضهم سياسياً يمكنهم كذلك أن يطوروا علاقات حميمة وثقة، بالذات لأنه لا يجري دفعهم للوصول إلى إجماع. تلتقي مجموعات مكونة من 5 – 20 شخصاً مرة في الشهر. يُطلب من المشاركين التحدث باسمهم وتجنّب الإدّعاء بأن آراءهم تمثل جاليتهم بأكملها. نحاول أن نسمع بحق وأن نفهم "الآخر"، بغض النظر عما إذا كنا نوافق أو لا، وأن نتكلم بحرية عن قضايا ساخنة كحق الفلسطينيين في العودة والصهيونية والاهتمامات الأمنية.
يتعلم العرب والمسلمون في هذه الحوارات أنهم ليسوا الجالية الوحيدة التي جرى استثناؤها أو تصويرها بصورة معينة في هذا البلد. يكتشف بعض المشاركين أن جارهم المجاور يشعر بالتهديد لأن نساءهم يلبسن الحجاب أو لأن الأسرة تصلي في المسجد. يكتشف أخرون أن جلدهم الأبيض خلع عليهم ميزات لم يكونوا على وعي بها مسبقاً.
نشأ القس خضر في بيت جالا في فلسطين، وقد وجد من الصعوبة الحديث عن تجاربه الحياتية هناك إلى الناس في الولايات المتحدة. وهو يعتقد أن الناس ينظرون إلى أعمال إسرائيل على أنها مبررة ويأخذون تأكيداتها حسب قيمتها السطحية، بينما يتوجب على الفلسطينيين الدفاع عن ما يقولونه. يغضب الأصدقاء في الوطن فلسطين عندما يخبرهم أنه يقابل يهوداً وإسرائيليين في نيويورك. إلا أنه رغم هذه التحديات فإنه يثمّن فرصة مشاركة قصته الخاصة حول اعتقاله وتعذيبه في السجون الإسرائيلية، وأن يرى آخرين في الحلقة يستوعبون مشاعره ويفهمونها.
تغيرت مارشا كذلك من خلال هذا النوع من الحوار. هي مديرة إقليمية سابقة للصندوق الوطني اليهودي، ولكنها الآن تتواصل بشكل مختلف مع أناس في جاليتها اليهودية حول الفلسطينيين ووطنهم فلسطين. وهي تفهم بصورة أفضل الخوف العميق من المواقف المعادية لليهود والعرب، وبدلاً من التعايش مع الآخرين حول المناطق المحتلة تحاول مشاركة ما تعلمته في الحوار حول واقع حياة الناس هناك.
رأينا بهذه الأساليب، نحن وغيرنا من المشاركين بمشروع الحوار، كيف يمكن للحوار المنتظم والمستدام أن يؤدي إلى التحول، ليس فقط داخل الحلقة وإنما ما وراءها في العالم الخارجي، حيث نأتي بمواقفنا وتوجهاتنا التي تغيرت إلى جالياتنا. ينتقل أناس بالكاد كانوا يتعايشون إلى ما وراء الخوف وانعدام الثقة. بعضهم أنشأ مشاريع مجتمعية مثل التعليم عبر الديانات والمنتديات الثقافية حول الهجرة.
نحن نرى النموذج الذي بنيناه على أنه سبيل نحو المزيد من المشاريع المشتركة، وقد يكون في النهاية نحو برنامج تعليم الراشدين والاستقطاب. ونأمل أن نتمكن من توسيع حواراتنا لتضم عينة نموذجية وأكثر محافظة من اليهود والفلسطينيين، والوصول إلى حوار أكثر عمقاً وغنى.
القدرة على الإنصات بحق، دون الإسراع إلى الرد السريع الآلي يتطلب ممارسة. عند تحقيق تلك المهارة يظهر لنا الحوار كيف نجلس معاً بخلافاتنا بدلاً من الخروج من الغرفة بغضب. نُسأل أحياناً "كيف يمكن لصوتي وحده أن يكون له تأثير؟" نجيب: "قد يكون صوتك هو الصوت الذي يأتي بالفهم إلى الطرف الآخر".
###
* مارشا كارني، رئيسة مجلس مشروع الحوار هي يهودية أميركية أدت تجربتها مع الحوار المسيحي اليهودي في الولايات المتحدة والحوار الفلسطيني الإسرائيلي في إسرائيل إلى تأسيس مشروع الحوار. القس خضر اليتيم عضو المجلس وأمين صندوق مشروع الحوار هو قس كنيسة السلام اللوثرية في باي ريدج ببروكلين. تقوم خدمةCommon ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال الذي يمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org.
مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2007
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.