أكتبوا عن هذا في السودان

بقلـم ايلين إف ديفيز
طباعة
بريد إلكتروني
درهام، نورث كارولاينا – يُستخدم تعبير الردة عند وصف عملية التحول عن دين ما من قِبَل هؤلاء الذين يمقتون ذلك بشدة، الذين يعتبرون التحول شكلاً من أشكال الخيانة، للأسرة والمجتمع بل وحتى الأمة والوطن. يتواجد وراء هذا الاتهام بالردة فهم بأن القناعة الدينية الراسخة والممارسة هما أمران علنيان. وافتراضات العديد من الناس، في مشارق الأرض ومغاربها بأن الدين هو قضية خلاص شخصي وبالتالي لا تتعلق إلا بالله تعالى وبالفرد، لم يجرِ التشارك بها بشكل واسع من قبل معظم الشعوب والثقافات عبر التاريخ.

ينتمي كل من التعبير والانفعالات الشديدة المتعلقة بالردّة إلى وضع عقلي خاص في الديانات التوحيدية الثلاث، اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

وقد يبرر المرء بأن التحولات من دين توحيدي إلى آخر يجب ألا يثير العداوات حيث أن جميع الأديان التوحيدية تعترف بإله واحد هو إله إبراهيم وتمنع غير ذلك. إلا أن التاريخ يُظهر لنا وبإصرار غير ذلك. بدأ اضطهاد "المرتدين" حال ظهور أكثر من شكل واحد من أشكال التوحيد. كان ليهودي القرن الأول، شاوول من طرطوس، الذي أصبح معروفاً بشكل أفضل بالقديس بولص، مهنة عملية ناجحة وهو يتعقب المسيحيين ويلقي بهم في السجون. ولم يتحول عن ذلك إلا بعد تجربته التي أصيب فيها بالعمى قبل أن يتحول إلى المسيحية. وبين القرن الرابع ومنتصف القرن القرن العشرين كان اضطهاد اليهود وقتلهم في مجازر جماعية وتحويلهم القصري عن دينهم أحداثاً منتظمة عبر أوروبا التي اعتنقت المسيحية. تاريخ العنف هذا، بما فيه الأشكال العدوانية والعسكرية الحالية للارتداد التي تمارسها بعض الجماعات الإسلامية يشكل عاملاً رئيسياً للاشمئزاز الشديد من التحول داخل كل من المجتمعات التوحيدية الثلاثة.

إلا أن هناك أمرا جديدا تحت الشمس هو التعاون الذي يحض عليه الدين بين أتباع الديانات التوحيدية. قد يكون السودان اليوم آخر مكان على وجه البسيطة يتوقع فيه المرء أن يرى أشكالاً إبداعية من التعاون بين الديانات، وفي الوقت نفسه تصغيرا لمعاداة التحول. إلا أن تعاوناً كهذا واضح وظاهر وخاصة منذ توقيع اتفاقية السلام الشاملة بين شمال السودان المسلم في غالبيته والجنوب المسيحي إلى حد بعيد. أحد الأمثلة البارزة حملة لتشجيع التثقيف العام حول مرض الإيدز/نقص المناعة الطبيعية، الذي اتخذ بصورة مشتركة من قبل الحكومة والكنائس في شمال السودان. ويشكل هذا تحولاً درامياً بالنسبة للحكومة التي أنكرت لسنوات طويلة أن المسلمين السودانيين يعانون من هذا المرض.

ويأتي الضغط لتحقيق هذا التعاون من داخل المجتمع المسلم، داخل السودان وخارجه. وقد أخذ المسلمون السودانيون يرفعون أصواتهم بشكل متزايد حول تجاربهم الشخصية في مجال مرض الإيدز/نقص المناعة الطبيعية، خوفاً من اكتساحه للسودان كما هو الحال في دول إفريقية أخرى. كما كسرت دول مثل سوريا وغيرها من الدول العربية صمتها حول واقع الإيدز بين سكانها.

وقد أمكن تحقيق هذا التعاون الجديد كذلك نتيجة لحقيقة أن العديد من المجموعات الكنسية أخذت تعطي أولوية لأعمال المصالحة. المسيحيون في السودان بدأوا يمدون يد التسامح بأسلوب جديد، فيعبرون الحدود بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك بين المسيحيين والقبائل الأخرى، بهدف شفاء الجراح التي خلقتها أكثر من ثلاثين سنة من حرب لا تكل ولا تلين.

وقد أوجدت كنائس جنوب السودان معظم البنية الأساسية الهشّة القليلة الموجودة هناك، حيث توفر العيادات والمدارس وفرق الإعانة في الفيضانات التابعة للكنائس الخدمات لجميع السكان بغض النظر عن دينهم. تقدم المدارس منهاجاً علمانياً يركز على القراءة والكتابة واللغة والرياضيات والإلمام بالحاسوب. وفي العديد من المناطق يفضل حتى الأهالي المتفانين دينياً اختيار هذه المدارس على المدارس الدينية الإسلامية، لأنهم يؤمنون أن المنهاج الحديث يعد بمستقبل أفضل لأطفالهم.

وتعمل في المدارس التابعة للكنيسة هيئة مكونة من مسلمين ومسيحيين. وتدرّس صفوف الدين من خلال حصول الطلبة على دروس في تقاليدهم. الهدف هو التعليم وليس التحويل. وقد تزوجت مؤخراً مديرة إحدى هذه المدارس التابعة للكنيسة، وهي مسلمة، من مسيحي في القرية نفسها. ولم يتحول أي منهما عن دينه حيث أن الزواج عبر الأديان أصبح شرعياً من قبل حكومة جنوب السودان الجديدة. حتى عندما يُطرح موضوع التحويل فإنه لا يمزق المجتمع المحلي الذي تشكل من أجل التعليم. وإذا أعرب طفل ما عن رغبته في التحول يتم إبلاغ الوالدين ويجري احترام رغبات الطفل في المدرسة.

ليس هؤلاء السودانيون المسيحيون والمسلمون لا مبالين دينياً، كما أنهم ليسوا متدينين نسبياً. معظمهم ملتزم بقوة بتقاليده. إلا أن التزامهم ينتج عنه أشكال من التعاون التي تخفض بل وتهدم جدران الفصل التي أنشأتها الديانات التوحيدية الثلاث ودعمتها. هذه المبادرات التعليمية هي إذن تقليدية وفي الوقت نفسه ابتكارية، بل وحتى ثورية. في مكان مثل السودان، قد يكون هذا الخليط الغريب هو الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يجلب الشفاء ويبني المجتمع المحلي ويفتح مستقبلاً لشعب رأى حروباً أكثر بكثير مما رأى سلاماً.

###

*إيلين ديفيز أستاذة التوراة والعلوم الدينية العملية بجامعة ديوك، هي ناشطة في مجال التعليم في العلوم الدينية في جنوب السودان، وقد شاركت منذ فترة طويلة في دراسة الأديان وحوارها. هذا المقال جزء من سلسلة حول الارتداد عن العقيدة والهداية تقوم بتوزيعه خدمة Common Ground الإخبارية. تقوم خدمةCommon Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال الذي يمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 9 تشرين الأول/أكتوبر 2007
www.commongroundnews.org.
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
الموت دي
رسالة النبي (ص) واضحة: تعايشوا
الهداية والديانات العالمية
الحفاظ على الإيمان من خلال حوار الديانات
حق الإنسان في التحول عن دينه
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

الموت دي بقلـم كلود صالحاني
رسالة النبي (ص) واضحة: تعايشوا بقلـم هشام الزبير
الهداية والديانات العالمية بقلـم حليمة كراوسن
الحفاظ على الإيمان من خلال حوار الديانات بقلـم الأب ديفيد غراي
حق الإنسان في التحول عن دينه بقلـم الشيخ عبد الله أدهمي