الإسلام والحريات الشخصية

بقلـم الشيخ إبراهيم رمضان
طباعة
بريد إلكتروني
بيروت – الحرية للإدباع مثل الروح للجسم. يؤكد القرآن الكريم على الحرية الشخصية ويبرز علاقتها بقراءتنا الفردية. تُرِكَت حتى القضية المركزية في الدين، ألا وهي الإيمان بالله تعالى، لخيار الإنسان: "وقل الحقَ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". (29:18).

لذا فإن السلوك الإنساني في الإسلام عائد لحرية الإنسان ورشده، وبالتالي فإن الخلاف بين الناس لا يمكن تجنبه بشكل جوهري، وهو متوقع دون شك: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين" (11: 118 – 119).

ولا يقيد الإسلام حرية الإنسان بأية طريقة وإنما يحمّل بني البشر المسؤولية، فردياً وجماعياً، عن نتائج قراراتهم. يتوجب على المرء أن يفكر بأعماله ونتائجها. وقد تبدو احتمالات أن يضطر المرء أن يتعامل مع نتائج معينة على أنها تحدد حريته الفردية، إلا أن ذلك يوفر فائدة عميقة للمجتمع الذي يعزز بشكل دائم القول المشهور: "تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حرية الآخرين". لولا هذا القيد لكانت الحرية لعنة من الفوضى ولأصبحت الحرية الفردية إزعاجاً للآخرين وتعدّياً على مصالحهم وخياراتهم.

ولكن كيف تُطبَّق مسؤولية الإسلام عن خياره في إطار الدين الإسلامي الحنيف؟

أولاً، تُفرَض هذه المسؤولية من خلال المسؤولية الجزائية التي تتحملها السلطة التي تتعامل مع الشأن العام، بما في ذلك مهمة إرساء قواعد النظام. يسمح التنازل عن المسؤولية إلى سلطة أعلى، بشكل أساسي، بمنع محتمل للنزاع، أو حله إذا تفشّى. وبما أن هذه المسؤولية التأديبية تهدف إلى منع الخطايا فهي تتفق مع الحديث الشريف "لا ضرر ولا ضرار"، ومع الآية الكريمة: "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" (190:2).

ثانياً: يحمّلنا الإسلام مسؤولية أخلاقية دائمة تتعلق مباشرة بعلاقتنا مع الله تعالى، الذي يُسائِل الإنسان على أعماله يوم القيامة. ويذكّر تحمُّل وزر هذه المسؤولية الإنسان بالالتزام بالقيم الأخلاقية، التي يشجعها القرآن الكريم من خلال الوعد بالمغفرة الإلهية والسلام الأبدي في الجنة، إضافة إلى الإبقاء على الوعد الجزائي لمن يرتكب عملاً خاطئاً. ليس لأي مخلوق سلطة في العقاب أو المغفرة. الله تعالى وحده، في الحياة الآخرة، يحكم على أعمال الفرد وأفعاله. لذا يتوجب على الفرد أن يعمل على تنقية روحه ونفسه من الرغبات الدنيوية والشهوات، وأن يعمل على تحسين علاقته مع الخالق جل وعلا.

وتنسجم وجهات النظر في الإسلام، بالنسبة للحرية، مع ندائه الإلهي للإنسان لأن يصقل سلوكه ويستخدم مهاراته وفنونه لأجل الصالح العام، إضافة إلى الهناء الفردي. ويتمتع أصحاب المعرفة والعلم والفن بمنزلة أعظم في المجتمع بسبب قدرتهم على توضيح مختلف القضايا واتخاذ دَور عيون المجتمع وآذانه. إضافة إلى ذلك فإن لهم دورا فاعلا في المجتمع، وبالتالي تصبح مسؤوليتهم تجاه الآخرين أعظم وأكثر رزانة ووقاراً.

ويرحب الإسلام بالشعر والتأليف وغيرها من أشكال الفن ويحترمها طالما أنها لا تتعدى على أحد. فالتعّدي على الآخرين يغلق بالتالي إجراءات جزائية ضد الفنان، بهدف الحفاظ على النسيج الأخلاقي للمجتمع وحمايته من التعدي عليه باسم حريات فردية هي في غير مكانها. لا يحق لأحد، سوى من يملك السلطة الدينية، أن يتبوأ دوراً سلطوياً.

يحصل الفن على قيمته من القضية الإنسانية التي يخدمها. لذا يجب أن يدعم دور المبدع قضايا إنسانية عادلة وأن يرسّخ القيم النبيلة الساطعة. فالعلاقة بين الفن والإنسان، في نهاية المطاف، علاقة متبادلة: تماماً مثلما يعيش الإنسان بالفن، يعيش الفن بالإنسان.

وأي فن يضر بالمثل الإنسانية من الحقيقة والفضيلة ويسيء تمثيل تطلعات المجتمع ينخرط تحت قول النبي محمد (ص) "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت."

وفي حال قيام عمل مبدع خلاق بالتعدي على فرد آخر أو يرتكب إساءة يعاقب عليها القانون، فإن من واجب السلطة أن تتخذ إجراءاً فورياً لاحتواء هذا التعدي، ومنع نشوب أي نزاع نتيجة لذلك. ليس مسموحا لأي إنسان أن يقنع الآخرين أو يعتقد بأنه موكَّل من قبل الله تعالى لأن يوقع عقاباً أو يحمل الآخرين مسؤولية أعمالهم.

يعتبر الفن الذي لا يخدم القضايا الإنسانية، من المنظور الروحاني والإنساني، يعتبر في نهاية المطاف أقل قيمة من مقاييس العمل الخلاق المبدع ذي القيمة، ويصبح بطبيعته ذا عمر قصير. أية محاولة لمنع فن كهذا أو إزالته بالقوة ـ ما يطلق البعض عليه صفة "الفن لأجل الفن" – غير ذي جدوى، ويجب إعادة توجيه طاقات الإنسان بدلاً من ذلك نحو القيام بمساهمات إيجابية تجاه مجتمعاتنا وعالمنا عبر أي أسلوب متوفر لنا. هذا التجلّي لحرية التعبير التي وهبها الله تعالى لنا أمر عظيم.

###

*درس الشيخ إبراهيم رمضان بمعهد الأزهر اللبناني في بيروت وحصل على الشهادة العليا في الشريعة وشهادة الدبلوم في الفقه االمقارن من جامعة بيروت الإسلامية. هذا المقال جزء من سلسلة حول حرية التعبير تمت كتابته لخدمةCommon Ground الإخبارية www.commongroundnews.org.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 29 كانون الثاني/يناير 2008
www.commongroundnews.org.
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
اللغة العالمية للدين
الدين والفن، انتهاك أو فرصة
حيث الحرية نسبية
يمكن للخلاف أن يؤدي إلى التغيير
وجهة نظر مسلمة محجبة حول الفن
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

اللغة العالمية للدين بقلـم نايف المطوع
الدين والفن، انتهاك أو فرصة بقلـم أنيسة مهدي
حيث الحرية نسبية بقلـم ديانا فيريرو
يمكن للخلاف أن يؤدي إلى التغيير بقلـم ماري كورب
وجهة نظر مسلمة محجبة حول الفن بقلـم بشير غوث