وجهة نظر مسلمة محجبة حول الفن

بقلـم بشير غوث
طباعة
بريد إلكتروني
دبي – أعاد ظهور الصور الكاريكاتورية التي تصور النبي محمد (ص)، مرة أخرى في الإعلام الدنمركي، بعد اعتقال ثلاثة مسلمين اتهموا بالتخطيط لقتل أحد رسامي الصور الكاريكاتورية، أعاد فتح الحوار حول الفن وحرية التعبير بين الغرب والعالم الإسلامي.

من سوء الحظ أن التظاهرات الصاخبة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي، رداً على هذه الأنواع من التعبير الفني، غطت أحياناً على رأي الغالبية الصامتة من المسلمين الذين لا يلتزمون بهذه الرؤية المحدودة للإسلام.

وقد وصفت الصحف الدنماركية نشرها للصور الكاريكاتورية على أنه مؤشر على احتجاجها ضد محاولة المسلمين إسكات حرياتها في التعبير من خلال تكتيكات الرعب. إلا أن الكثيرين في العالم الإسلامي يعتبرون الرسوم على أنها هجوم على معتقداتهم الدينية، وقد عبروا عن غضبهم من خلال مظاهرات وهيجان عاطفي.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يصطدم فيها الغرب والمسلمون حول موضوع الحريات الدينية وحرية التعبير، فكثيراً ما أدت أعمال سلمان رشدي وتسليما نسرين ونصر حامد أبو زيد ونجيب محفوظ إلى الغضب في العالم الإسلامي.

لذا من المحزن أن الرد على الصور الكاريكاتورية الدنماركية من قبل المسلمين الذين يتبعون تفسيرات ضيقة للإسلام تعكس حمامات الدم الرهيبة الوحشية التي ترتكب يومياً من قبل أفراد يحملون اسم محمد في شوارع كراتشي وقندهار وبغداد وغيرها في قلب العالم الإسلامي.

برأيي أن مسلمين كهؤلاء بحاجة للقيام بعملية بحث روحي معمقة وتنظيف بيتهم الداخلي قبل إلقاء المحاضرات على الآخرين حول القيم والأخلاقيات.

من هذا المنطلق، من المفيد إعادة النظر في الفن في العالم العربي من خلال منظور التاريخ. قد تكون هناك علاقة وثيقة بين منظور بعض المسلمين للفن بشكل عام والفن التمثيلي بشكل خاص والأسلوب الذي بدأ الإسلام به. بعكس معظم الديانات الأخرى حيث تلعب الأشكال والرموز والمنحوتات والفنون والتماثيل دوراً محورياً في نقل الرسالة الروحانية، فقد تأسس الإسلام على مفهوم استئصال عبادة الأوثان.

وقد يفسر هذا، على سبيل المثال سبب بقاء بعض المسلمين لا مبالين وغير مهتمين حيال تدمير الطالبان تماثيل بوذا في مقاطعة باميان بأفغانستان.

كما يتوجب على المرء أن يتذكر أن أشكالاً مختلفة من الفن ازدهرت تاريخياً في العديد من أجزاء العالم الإسلامي، مثل إيران والإمبراطورية العثمانية والأندلس وغيرها. حتى في هذا اليوم يترعرع الفن في معظم أنحاء العالم الإسلامي، رغم أن درجة حرية التعبير فيما يمكن عرضه أو عكس ذلك، تتراوح حسب المذاهب الدينية في العالم الإسلامي.

ويناقش الكثيرون أنه بينما يستطيع الكاتب والفنان في الغرب الانخراط في المهن التي يمارسونها بتوجه فردي، يرتبط الكاتب أو الفنان المسلم أحياناً بضرورة الالتزام بالقيم الاجتماعية الدينية السائدة.

إلا أن هذا الالتزام لم يكن دائماً هو الوضع السائد، حيث قام العديد من الكتاب عبر التاريخ باستكشاف قدراتهم الإبداعية من خلال الشعر والرسم بل وحتى رسم الصور التي تمثل النبي محمد (ص).

لذا، قد لا تكمن المشكلة في الفن أو حرية الكلام بحد ذاتها وإنما بصورة أكثر من حيث تفسير الفن من خلال التعليم والمعتقدات والثقافة والتاريخ.

ما قد يُنظر إليه على أنه تاريخ ممعن في القدم بالنسبة للغرب، ما زال يلعب دوراً في تحديد الحاضر في العالم الإسلامي. تركت الحملات الصليبية والاستعمار وسنون عديدة من الهيمنة الثقافية الغربية علاماتها على نفسية أمة الإسلام. وقد ساعدت الأوضاع المؤسفة في أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها على إعادة فتح هذه الجروح القديمة.

من المؤسف أنه من خلال هذا المنشور متعدد الصور يرى بعض المسلمين كل عمل يأتي من قبل الغرب على أنه تهجّم على دينهم وتهديد لهويتهم وإهانة لكرامتهم. ومع الإسلام كقوة طاردة مركزية للعديد من الشعوب الإسلامية، ينظر الكثيرون عبر الدين إلى عالمهم ويقيسون جميع الأمور، معتقدين أن الفن وغيره من المحاولات الفكرية يجب أن تخضع لقوانينه.

إلا أن الوقت قد حان لأن يقبل المسلمون بأنه من غير الحكمة، وبالتأكيد من غير المناسب أن يقوم ضيف بفرض قوانينه على مضيفه، وهو الدنمارك في هذه الحالة. نحن لا نرى الأميركيين أو الأوروبيين يتظاهرون ويحرقون الأعلام والسفارات عندما تقوم صحف المسلمين المحافظين بالسخرية من الغرب وتسميته بمختلف الأسماء وعندما يقوم رجال الدين المسلمين بمهاجمة الغرب ووصفه بأقسى العبارات.

وكما تقول النحاتة البولندية ماغدالين أباكانوويتز "لا يحل الفن المشاكل ولكنه يجعلنا نعي وجودها. إنه يفتح عيوننا لترى وأذهاننا لتتخيل".

###

*بشير غوت شاعر صومالي وصحفي مخضرم ومؤلف لعدد من المقالات الثقافية والدينية والسياسية المتنوعة. كُتِب هذا المقال خصيصاً لخدمة Common Ground الإخبارية CGNews ويمكن الحصول عليه من الموقع الإلكتروني www.commongroundnews.org.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 18 آذار/مارس 2008
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق النشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
اللغة العالمية للدين
الإسلام والحريات الشخصية
الدين والفن، انتهاك أو فرصة
حيث الحرية نسبية
يمكن للخلاف أن يؤدي إلى التغيير
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

اللغة العالمية للدين بقلـم نايف المطوع
الإسلام والحريات الشخصية بقلـم الشيخ إبراهيم رمضان
الدين والفن، انتهاك أو فرصة بقلـم أنيسة مهدي
حيث الحرية نسبية بقلـم ديانا فيريرو
يمكن للخلاف أن يؤدي إلى التغيير بقلـم ماري كورب