مقابلة مع سري نسيبة

بقلـم موهانان حامد وأدهم مناصرة
09 يونيو/حزيران 2008
طباعة
بريد إلكتروني
القدس

تحتفل إسرائيل حالياً بالذكرى الستين لاستقلالها. كيف ترد على ذلك كفلسطيني؟

سري نسيبة: لا أعتقد أن عدد السنوات وجود إسرائيل يحدث أي فرق. من الطبيعي الاحتفال بالمناسبات، وهذا ينطبق على إسرائيل كذلك. من ناحية أخرى تعتبر النكبة بالنسبة لنا الوجه الآخر لما تحتفل إسرائيل به على أنه استقلالها. سوف يبقى هذا التناقض إلى أن نحصل على تسوية وتصبح هناك علاقات جديدة بين الجانبين.

هل تعتقد أن حق العودة كما هو مفهوم تقليدياً ما زال ينطبق بعد ستين سنة من بدء النزاع؟

سري نسيبة: شخصياً أعتقد أن عودة اللاجئين حلم لا يمكن تحقيقه في المستقبل القريب. أولاً، لا يمكن تحقيقه من ناحية أن يعود اللاجئ إلى البيت الذي أُخرج منه والداه أو أجداده. لقد دمرت معظم هذه البيوت ولكن هناك حق قانوني، الأمر الذي يعني أنه يجب أن يكون باستطاعتنا المطالبة بتعويضات، على سبيل المثال، أو نوع آخر من التعويض مقابل النفي.

من وجهة نظري، يحتوي الحل كذلك على حقيقة أنه ستكون هناك دولتان وأنه سيكون بإمكاننا تعويض اللاجئين مادياً ومعنوياً من خلال تمكينهم مباشرة حياة جديدة بدلاً من القلق بأمر غير ممكن عملياً، كالعودة بالمعنى التقليدي. إذا أُريد حل مشكلة اللاجئين فسوف يتطلب ذلك من الإسرائيليين التضحية بشيء ما: كامل القدس الشرقية، وخاصة المدينة القديمة والمناطق المقدسة. وهذا سيكون الثمن لقاء التنازل عن حق العودة. أعتقد أن اللاجئين الفلسطينيين سيكونون على استعداد لتقديم هذه التضحية.

لقد رفضت دائماً عسكرة الانتفاضة الثانية. كيف تستطيع إقناع المواطنين الفلسطينيين بمفهوم المقاومة اللاعنفية؟ هل هناك أمثلة كان فيها اللاعنف ناجحاً؟

سري نسيبة: نعم، هناك العديد من الأمثلة في التاريخ أثبتت كيف تم تحقيق الأهداف السياسية بأساليب سلمية. أنا لا أقول أن الأساليب السلمية هي دائماً الأساليب المنطقية الوحيدة. لا أعرف إذا كان ذلك صحيحاً. ولكن ما أعلمه هو أن استخدام العنف لم يساعدنا أبداً في فلسطين، وإنما على العكس، أضّر بنا.

عندما اندلعت الانتفاضة الأخيرة على سبيل المثال، وأنا أسميها كذلك بتردد لأنها لم تكن أبداً ثورة شعب، أعطت التفجيرات الانتحارية لإسرائيل مبرراً لبناء جدار الفصل الذي لم يقسم القرى فحسب بل سيجعل من المفاوضات المستقبلية أمراً أكثر صعوبة. نتيجة لتلك الانتفاضة نحن الآن في وضع أسوأ مما كنا عليه في فترة كامب ديفيد.

نحن الآن نطلب العودة إلى وضع سنة 2000 بدلاً من العودة إلى حدود عام1967. ونحن نطلب من الأميركيين فرض ضغوط على إسرائيل لتفكيك عدد ولو قليل جداً من مئات الحواجز ونقاط التفتيش. موقفنا التفاوضي مثير للشفقة، وأعتقد أننا وضعنا أنفسنا في هذا الموقف المؤسف.

من المعروف جيداً أن غالبية الإسرائيليين إضافة إلى غالبية الفلسطينيين يدعمون الحل السلمي على أساس الدولتين. ما هي المعوقات التي يتوجب على هذا الحل أن يتغلب عليها؟

سري نسيبة: لا يوجد إجماع على الجانبين حول الشكل النهائي لحل الدولتين. عامل آخر هو في النزاع بين ما تريده الزعامة السياسية وديناميات التطورات الحقيقية. لا ينتظر التاريخ قرارات السياسيين وأعمالهم. إضافة إلى ذلك لا يوجد هناك اهتمام جاد على أي من الجانبين، وفي واقع الأمر قد لا يكون هناك حل على أجندتهم، وهم لا يقضون وقتاً كافياً في الوصول إلى حل جاد.

هل هناك أية فرصة ليتم تنفيذ مقترحات الرئيس بوش بإنشاء دولة فلسطينية هذه السنة رغم ضعف كل من عباس وأولمرت؟

سري نسيبة: منطقياً يفترض أن يكون ذلك ممكناً، ولكنني نادراً ما أتوقع ذلك. إذا اتفق عباس وأولمرت على شكل دولتين، وأنا واثق أنهما يستطيعان توقيع اتفاقية كهذه في أي وقت، فأنهما سيظهران أمام الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي ليشرحا لهما بأن هذا الاتفاق هو في صالح الطرفين. وقتها يمكن للطرفين عقد انتخابات جديدة.

يعلن عباس أن الاتفاق هو برنامج فتح السياسي، ويدير أولمرت كذلك حملته الانتخابية على أساس الاتفاق. إذا حصل ذلك يتم إعادة انتخاب كل منهما وسيستطيعان بعد ذلك تنفيذ هذا الاتفاق.

لذا أنا لا أرى ستاراً حديدياً في طريق الحل. كذلك أنا لا أعتقد أن أولمرت وعباس غير قادرين على الوصول إلى اتفاق كهذا رغم ضعفهما. يعتبر السياسي إما عملاقاً سياسياً أو قزماً، على أساس ما يفعله فعلياً. إذا تسنى لأولمرت أو عباس تحقيق شيء كهذا فسوف يعتبران تاريخياً عملاقين سياسيين في غضون 24 ساعة. وهل تستطيع توقع ذلك؟ أعتقد أن كلا منهما متردد أكثر من المفروض، وأولمرت بالذات في وضع أسوأ مما كان فيه قبلاً. لهذا السبب قد نفقد هذا الحل إلى الأبد.

ما هي الأخطاء التي ارتكبها الزعماء العرب والفلسطينيين خلال السنوات الستين الماضية؟ هل تركت القيادة الفلسطينية فعلاً فرص السلام تنساب، كما يُدعى دائماً؟

سري نسيبة: بالطبع. على سبيل المثال، عندما وعد وزير الخارجية البريطاني اللورد بلفور اليهود بوطن في فلسطين عام 1917 احتج أجدادنا وتظاهروا. كان من الأفضل لو استأجر زعماء الطوائف طائرة وطاروا إلى لندن لمخاطبة وزير الخارجية. كان يتوجب عليهم بحث الأمور وإيجاد دبلوماسية فلسطينية. لو أنهم فعلوا ذلك لكانوا في موقف للسيطرة على الأمور بشكل أفضل.

في الثلاثينات كانت هناك مخططات لإنشاء دولة على كامل فلسطين يسيطر عليها كل من المسيحيين والمسلمين واليهود على ثلث. كان سيكون للعرب ثلثان. رفض العرب ذلك أيضاً. لو أنهم قبلوا لكانوا في موقف أفضل اليوم. وهكذا، في كل مرة ساء وضعهم بشكل زائد نتيجة لأخطاء قيادتهم التي لا تعد ولا تحصى. صحيح أن نصف المشكلة ينبع من الاحتلال، ولكن النصف الآخر هو مسؤولية قياداتنا تاريخياً.

إذا لم يتمكن السياسيون من تحقيق السلام فهل نستطيع وضع أملنا في المجتمع المدني في إسرائيل وفلسطين؟

سري نسيبة: لا أعتقد أن أياً من الطرفين الآن في موقع ليفعل ذلك. لسوء الحظ ليس عندنا موقف يستطيع الجمهور فيه أن يأخذ زمام المبادرة، لأن أياً من الطرفين لا يعرف ماذا يفعل أو إلى أين يذهب. رغم ذلك أعتقد أن مرحلة أخرى ستبدأ خلال شهور قليلة أو سنوات قليلة يكون فيها الشارع قادر على الضغط على الجانبين.

هناك جدل في الغرب حول كيف يجب التعامل مع الحركات الإسلامية. هل يتوجب على الغرب أن يتحدث معهم وأن يحاول احتوائهم سياسياً؟

سري نسيبة: أعتقد أن الحركات الإسلامية تشكل عنصراً لا يتجزأ من الخريطة السياسية والثقافية للعالم المسلم. لماذا ننادي بحوار مع اليهودية وفي الوقت نفسه نرفض الحوار مع الحركات الإسلامية؟ في نهاية المطاف لا يعني الحوار الاستيلاء على أفكار الطرف الآخر.

هناك مبادرات عديدة مختلفة لتقوية الحوار بين الثقافات والديانات، ولكنها لم تؤدِ إلى النتائج المرجوة. أين ترى نقاط الضعف في حوار كهذا؟

سري نسيبة: عندما نتحدث عن حوار كهذا فنحن نعني دائماً الحوار بين الديانات التوحيدية: اليهودية والمسيحية والإسلام. ولكننا لا نتحدث أبداً عن العلاقة بين البوذية والهندوسية حيث لا توجد أية مشاكل خطيرة حقيقية. على النقيض من ذلك كانت ديانة الشنتو أصلاً الديانة السائدة في اليابان، وعندما أتت البوذية من الصين لم يستغني اليابانيون عن الشنتو وإنما أصبحوا بوذيين كذلك ودمجوا بين الديانتين.

يبدو أن المشاكل تنشأ بالدرجة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، لأنها متماثلة إلى درجة كبيرة ولها نفس الأصول. تستطيع البوذية أن تتعايش مع الشنتو بالذات لأنهما مختلفتان كثيراً.

يكمن الحل بالدرجة الأولى في التخلي عن التطرف والتعصب في كافة الأديان، وفي توجيه أنفسنا في القيم الإنسانية وليس في القيم الدينية، لأن باستطاعة الجميع الاتفاق على القيم الإنسانية. وإذا كان هناك تعارض في القيم الإنسانية أصبح علينا واجب ترجيح القيم الدينية. هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يوصلنا إلى القبول المتبادل.

###

*سري نسيبة رئيس جامعة القدس منذ العام 1995 ويدرّس الفلسفة هناك. التزم الدكتور نسيبة منذ فترة طويلة بالسلام في الشرق الأوسط وقد نشر كتابه "في بلد ما: حياة فلسطيني" مؤخراً بغلاف ورقي من قبل دار بيكادور للنشر. كتب هذا المقال أصلاً بالألمانية. تقوم خدمة Common Ground بتوزيعه، ويمكن الحصول عليه من الموقع www.commongroundnews.org

مصدر المقال: Qantara.de 28 أيار/مايو 2008
www.Qantara.de
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذا العدد
على بعد دقائق، والعديد من العوالم
العلاقات الإسرائيلية الأميركية: ما قيمة مسافة قصيرة بين الأصدقاء؟
مغامرة إسرائيلية فلسطينية تعبر الفجوات في الحياة وعلى الإنترنت
كان العجوز على حق
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذا العدد

على بعد دقائق، والعديد من العوالم بقلـم نوا ايبستين وعبد عريقات
العلاقات الإسرائيلية الأميركية: ما قيمة مسافة قصيرة بين الأصدقاء؟ بقلـم شيرا هيرزوغ
مغامرة إسرائيلية فلسطينية تعبر الفجوات في الحياة وعلى الإنترنت بقلـم دينا كرافت
كان العجوز على حق بقلـم دانيال غافرون