مثال البوسنة في التعايش

بقلـم أمير تاليبيسيروفيتش
طباعة
بريد إلكتروني
ساراييفو – "لا يستطيع "غربي" أن يمحو التأثيرات الإسلامية في البوسنة، ولا يستطيع "شرقي" أن يفرض تأثيراته الخاصة على أسلوب حياتنا".

تفسر هذه العبارة، التي سُمِعت في مقهى في سارييفو، الطابع والهوية الفريدين للبوسنة والهرسك. ورغم نزاع العقد الماضي، ما زالت هذه حالة نادرة لدولة تتبع السبيل الوسطي من التعايش بين أفراد ديانات مختلفة، ينحدرون من أعراق متنوعة.

دخل الإسلام البوسنة في القرنين الخامس والسادس عشر أثناء حكم الدولة العثمانية. طالما كان البوسنيون المسلمون جيراناً مع الصرب، وهم أغلبهم من المسيحيين الأرثوذكس ومن الكروات الكاثوليك بشكل كامل وغيرهم من الأديان والأعراق من الأقليات مثل اليهود والألبان والروم وغيرهم.

وإذا تحدثت مع أفراد من أجيال أكبر سناً في البوسنة والهرسك، فسوف تجدهم يستذكرون وقتاً أشار فيه القائد الشيوعي اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو إلى البوسنة والهرسك على أنها نموذجاً للتعايش اليوغسلافي بدون نزاع.

ورغم وجود عدم تسامح ونزاع بين أفراد المجموعات الدينية والعرقية المختلفة، لم تنجح التوترات أبداً في تحريض جميع أفراد مجموعة ضد الأخرى. معظم النزاعات في تاريخ البوسنة مستوردة أو تم تنظيمها في أنقرة وفيينا وبرلين وبلغراد وزغرب، من أجل احتلال الأراضي واستغلال الموارد الطبيعية المحلية.

شكّلت الحرب البوسنية (1992 – 1995)، والتي اشتعلت نتيجة لتفسّخ يوغسلافيا، وتسببت بالكثير من البؤس والدمار في المنطقة، إحدى الاستثناءات الحاسمة في التاريخ الحديث. قامت قوات الناتو في نهاية المطاف بإعادة الأمن والسلام. ولكن بعد معاهدات دايتون للسلام عام 1995 والتي وضعت حداً للحرب التي استمرت ثلاث سنوات، عاد اللاجئون إلى بيوتهم ليجدوا مدنهم مقسّمة فعلياً في العديد من الحالات عبر خطوط عرقية. كما أن القوانين المحلية التي عملت على تحديد حريات الحركة فاقمت من هذه التوترات ووقفت حائلاً أمام جهود المصالحة.

نتيجة لذلك بقيت أجزاء من البوسنة والهرسك مقسّمة سياسياً ودينياً وعرقياً حتى هذا اليوم.

إلا أن إستعادة السبيل الوسطي للتعايش كان منذ الحرب هدف البوسنيين العاديين العاملين مع منظمات غير حكومية في المدن المحلية. شكّلت عمليات إعادة الإعمار أسلوباً للمجموعات المختلفة للعمل معاً من أجل الصالح العام. وتعمل منظمات حوار الأديان مثل "المنبر العالمي للبوسنة" ومركزها سراييفو، والتي تضم مركز الحوار الديني وتعمل على تيسير الحوار بين المجموعات الدينية المختلفة، ومنظمة المينونايت العالمية، التي تساعد في إعادة بناء المنازل وفي برامج الشباب، تعمل بجد للتخفيف من التوتّرات الباقية في مجتمع ما بعد النزاع هذا.

إلا أن ما يثير الإعجاب هو تلك الأماكن التي يتعايش فيها أناس عاديّون من أديان وأعراق مختلفة، ولم يتوقفوا أبداً عن ذلك حتى اثناء الحرب. وهذه هي المجتمعات التي يمكن لبقية المنطقة أن تتعلم منها. هم الذين التزموا بالطريق الوسطيّ ورفضوا الانتماء إلى الذين ارتكبوا أعمال عنف على خطوط دينية أو عرقية وانقلبوا على جيرانهم في أوقات المشاكل.

كان معروف أن مدناً مثل سراييفو وموستار وتوزلا تضم أكبر المجموعات العرقية في البلقان. اجتمع الجيران معاً خلال الحصار أثناء الحرب بغض النظر عن دينهم أو عرقهم، لحماية بعضهم بعضاً وحماية مدنهم من الدمار. واقع الأمر أن قذائف المدفعية التي تساقطت عليهم بغزارة أوجدت تعاضداً وتضامناً بينهم بدلاً من أن تفرّقهم.

لم تكن الأحياء في هذه المدن تاريخياً موزعة بين مجموعة وأخرى. كان هناك اختلاط بين الأديان والأعراق منذ أجيال عديدة، وكان يعتبر هذا النوع من التعايش أسلوب الحياة، بعكس مدن أخرى في المنطقة حيث كانت مجموعة عرقية أو دينية تشكل الغالبية.

وقد أثبتت هذه المواقف الممثلة بالانضمام معاً أثناء الحرب أنه لا يمكن فصل جميع المجتمعات المحلية عبر خطوط عرقية أو دينية، حتى في أوقات الحروب. واقع الأمر أن أناساً من خلفيات متنوعة اجتمعوا كردّة فعل على المحاولات العدوانية لتفريقهم.

ورغم الثوران العنيف في تسعينات القرن الماضي والسنوات المضطربة التي تبعت ذلك، تمكن التعايش بين سكان البوسنة والهرسك المتنوعين من البقاء. وتشكل مرونة سكان المنطقة، وخاصة هؤلاء الذين ما زالوا يعملون على بناء مجتمعات محلية متّحدة من المجموعات المفرّقة، مثالاً ليس فقط للبلقان وإنما كذلك في الدول التي يمّزقها النزاع حول العالم.

###

*أمير تاليبيسيروفيتش محرر رئيسي في مجلة "البوسنة اليومية" الإلكترونية ومركزها سراييفو. هذا المقال هو الأول في سلسلة حول المجتمعات الإسلامية الصغيرة، وكتب لخدمة Common Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 13 شباط/فبراير 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
بنغلادش تتعامل مع التشدد المسلح
كشمير: نزاع في وادٍ مسالم
الصوفية كثقافة شبابية في المغرب
الدور المتنامي للمرأة السنغالية في الدين
التفهم وليس القوات العسكرية هو المطلوب في جنوب تايلند
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

بنغلادش تتعامل مع التشدد المسلح بقلـم تشينموي موتسودي
كشمير: نزاع في وادٍ مسالم بقلـم إرشاد محمود
الصوفية كثقافة شبابية في المغرب بقلـم مختار غامبو
الدور المتنامي للمرأة السنغالية في الدين بقلـم بندا مباو
التفهم وليس القوات العسكرية هو المطلوب في جنوب تايلند بقلـم فيسون داو