الصوفية كثقافة شبابية في المغرب

بقلـم مختار غامبو
طباعة
بريد إلكتروني
نيويورك – تدين المغرب لصورتها كأمة إسلامية حديثة للصوفية، وهي تقليد إسلامي روحاني يتسم بالتسامح، يعود إلى الأجيال الأولى من المسلمين، حافظ على التماسك الديني والاجتماعي والثقافي للمجتمع المغربي لقرون عديدة . توفّر الصوفية إجابات على بعض أكثر القضايا تعقيداً في العالم الإسلامي المعاصر، حيث يشكل الشباب غالبية السكان.

يمارس معظم المغاربة، شباباً وشيباً، شكلاً من أشكال الصوفية. وتستوعب الصوفية، كمكوّن عميق للهوية المغربية، جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن عمرهم أو نوعهم الاجتماعي أو مكانتهم الاجتماعية أو توجههم السياسي.

وينجذب الشباب المغاربة بشكل متزايد للصوفية بسبب تسامحها وتفسيرها المَرِن للقرآن الكريم ورفضها للتطرف وتبنيها للحداثة. ويجد الشباب من الرجال والنساء في مبادئ "الجمال" و"الإنسانية" الصوفية، أسلوب حياة متوازن يسمح لهم بالاستمتاع بالفنون والموسيقى والحب دون أن يضطروا للتنازل عن التزاماتهم الروحانية والدينية.

تتواجد طوائف الصوفية في كافة أنحاء المغرب، وتقوم بتنظيم تجمّعات منتظمة للصلاة والترتيل والحوار حول مواضيع آنية ذات أهمية اجتماعية وسياسية، تتراوح بين حماية البيئة والأعمال الخيرية الاجتماعية إلى الحرب على المخدرات وتهديد الإرهاب.

إضافة إلى ذلك، تلهم اجتماعات الصوفيين الشباب للانخراط في حوار الأديان، بحيث تُبرز القيم العالمية التي يتشارك فيها الإسلام مع المسيحية واليهودية، مثل السعي لتحقيق السعادة وحب العائلة وتقبّل الفروقات العرقية والدينية وتشجيع السلام.

وتوفر الحلقات الدراسية الصوفية وأناشيدها وتجمعاتها الروحانية مجتمعة وسطاً اجتماعياً لملايين المغاربة حيث يمكن للانصهار الديني والعلماني، والروحاني والجسدي، والمحلي والعالمي أن يصبح ممكناً وممتعاً.

قمت مؤخراً بسؤال أحمد كوستاس، وهو خبير في الصوفية ومدير وزارة الشؤون الدينية المغربية في الرباط عن سبب شعبية هذا التقليد الروحاني في أوساط الشباب.

"التقدم والتغيير"، أشار كوستاس، "هما من المعتقدات الأساسية للصوفية".

يبعد الصوفيون أنفسهم عن الأصوليين الذين ينظرون إلى الإسلام بمنظور صارم مثالي يقلدون من خلاله النبي محمد (ص) وصحابته، من خلال التأكيد على تكييف المجتمع لاهتمامات وأولويات الحياة الحديثة. لا يدين الصوفيون النساء اللواتي لا يلبسن الحجاب ولا ينتقدون أساليب اللهو الحديثة. الفرق بين الفضيلة والرذيلة بالنسبة لهم تُقرَّر على أسس النوايا وليس المظاهر.

تنتشر الصوفية في الثقافة المغربية لدرجة أنه لا يمكن فهم دورها بشكل صحيح إذا تم تحديدها بطائفة أو معبد، فهي تتخلل حتى تلك الاتجاهات الموسيقية التي تعتبر "حديثة" أو "غريبة".

قد تبدو موسيقى الراي، إضافة إلى أشكال الهيب هوب والراب المغربية، دنيوية أو حسّية بشكل زائد بحيث لا يمكن ربطها بالصوفية، إلا أنهم يستعينون بالشعر الصوفي لغناء الجوهر الأساسي للجسد الإنساني وفضائل البساطة والمواهب الشافية للرسل الصوفيين مثل سيدي عبد الرحمن مجدوب وسيدي أحمد تيجاني وسيدي بومدين، وهم أساتذة روحانيين يحترمهم زملاؤهم وتلاميذهم لأنهم حققوا التوحد الروحاني مع الذات الإلهية خلال حياتهم الدنيوية.

ويظهر أثر الصوفية على الثقافة الشبابية بشكل أكثر وضوحاً في كلمات أناشيد الفرقة المدنية "ناس الغيوان" ومطربي الغناوة الصحراويين. شكلت هاتان الفرقتان وبشكل معمّق الموسيقى الشعبية منذ سبعينات القرن الماضي.

وتلهم أغاني الغيوان، التي تأثرت بالأسلوب الهبّي لفرق مثل الرولينغ ستونز وبِنك فلويد، العديد من المستمعين للرد الفعلي المسمى "شذى"، وهو تعبير عربي مغربي يستخدم في الرقص الحديث.

ويحقق موسيقيو غناوة، وهم من نسل العبيد الأفارقة الذين أُحضِروا إلى المغرب بين القرنين الثاني عشر والسابع عشر، نتائج مماثلة، وتعتبر موسيقاهم خليطاً من كلمات الأغاني الدينية، المتجذرة بعمق في التقاليد الشفهية لإفريقيا شبه الصحراوية والألحان الحزينة التي تذكرنا بموسيقى الجاز الأمريكي والبلوز. ويتمحور أداء الغناوة حول جسد يدور حول نفسه وصوت عالي النبرة، فيلحن البيوت الشعرية مع الأناشيد الصوتية بالعربية مثل "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". هذه الكلمات نفسها مرعبة عندما تصدر عن إرهابي، ولكنها تسمو بالروح عندما يغنيها مسلمون أتقياء، والغناوة وغيرهم من الموسيقيين الذين تلهمهم الصوفية.

وتعرّف حتى "فنير"، وهي أحدث فرقة هيب هوب من مراكش، نفسها على أنها خليط من التقاليد الصوفية المغربية والراب الأمريكي.

وبالإضافة إلى المغاربة، يتوجه آلاف الشباب من الرجال والنساء من أوروبا وأمريكا وإفريقيا إلى مهرجانات الموسيقى الدينية التي تنظمها الحركات الصوفية كل سنة في كافة أرجاء المغرب، للغناء والاحتفال بحماستهم بالحياة والتزامهم بالقيم العالمية للسلام. ويدحض منظر هذه المهرجانات بشكل كامل نوع الصورة التي يسعى المتشددون المتطرفون لإيصالها عن الشباب المسلم.

يَنتج هذا الانصهار بين الصوفية والحداثة تجربة جمالية فريدة تجتذب الشباب المغربي الذي يرفض التطرف ويحافظ على قيم الإنسانية المشتركة.

###

* مختار غامبو أستاذ في دراسات ما بعد الاستعمار بجامعة ييل. وهو كذلك مؤسس ورئيس المعهد الأمريكي المغربي. ظهر هذا المقال في "On Faith" التابع للواشنطن بوست/نيوزويك، وقد كُتب لخدمة Common Ground الإخبارية ضمن سلسلة حول المجتمعات المسلمة الأقل شهرة.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 6 آذار/مارس 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
مثال البوسنة في التعايش
بنغلادش تتعامل مع التشدد المسلح
كشمير: نزاع في وادٍ مسالم
الدور المتنامي للمرأة السنغالية في الدين
التفهم وليس القوات العسكرية هو المطلوب في جنوب تايلند
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

مثال البوسنة في التعايش بقلـم أمير تاليبيسيروفيتش
بنغلادش تتعامل مع التشدد المسلح بقلـم تشينموي موتسودي
كشمير: نزاع في وادٍ مسالم بقلـم إرشاد محمود
الدور المتنامي للمرأة السنغالية في الدين بقلـم بندا مباو
التفهم وليس القوات العسكرية هو المطلوب في جنوب تايلند بقلـم فيسون داو