التفهم وليس القوات العسكرية هو المطلوب في جنوب تايلند

بقلـم فيسون داو
طباعة
بريد إلكتروني
شونغكلا، تايلند – يتصوّر هؤلاء الذين يعيشون خارج تايلند أحياناً أن الدولة عبارة عن مجتمع متناغم، إلا أن نظرة عن قرب تكشف عن الكثير من التنوع. ورغم أن الغالبية من التايلنديين يعتنقون البوذية، وهي الديانة الرسمية للدولة، إلا أن هناك جاليات صغيرة ولكن معتبرة من المسيحيين وأتباع كونفوشيوس والهندوس واليهود والسيخ والتاويين. ويقدر الكثيرون أن حوالي 10% من سكان تايلند البالغ عددهم 64 مليون نسمة هم من المسلمين.

يشكل المسلمون ثاني أكبر أقليات تايلند، بعد السكان من أصول عرقية صينية. ورغم أن بعض المسلمين التايلنديين من أصول فارسية، ومن المسلمين الكمبوديين والبنغال والهنود والباكستانيين والصينيين، إلا أن معظمهم من المالاي، وهي مجموعة عرقية مسلمة في معظمها تعيش في شبه جزيرة مالاي وأجزاء من سومطرة وبورنيو وماليزيا. ورغم أن مسلمي تايلند يعيشون في أجزاء مختلفة من الدولة، يعيش مسلمو مالاي بشكل رئيسي في المقاطعات التايلندية الجنوبية في باتاني ويالا ناراتيوات وسونغكلا وساتون المحاذية لماليزيا.

واجه مسلمو مالاي، بعكس زملائهم المسلمين من غير المالاي الذين ينزعون لأن ينخرطوا أكثر في المجتمع، صعوبة في أن يصبحوا جزءاً متكاملاً من الثقافة التايلندية. وقد برز عدد لا يستهان به من الحركات الانفصالية نتيجة لذلك، ونتج عن محاولات الحكومة التايلندية قمعها عقود من النزاع العنفي.

وقد أوجد العنف الذي وقع مؤخراً إلحاحاً متجدداً لإيجاد حلول بديلة للنزاع. أحد هذه التوجهات مراجعة سياسات الاستيعاب والتكامل التي حاولت الحكومة التايلندية تطبيقها في الجنوب منذ عقود عديدة.

أقام مسلمو المالاي فيما يسمى اليوم تايلند قبل تشكيل مملكة تايلند، وجرى ضمهم إلى المملكة خلال الجزء الثاني من القرن الثامن عشر. عارض السكان المسلمون المالاي هذا الضم لأنهم كانوا يعيشون تحت حكم سلطنة إسلامية مستقلة وكانوا بالتالي يفضلون أن يجري ضمهم إلى دولة من المالاي أو أن يحكموا أنفسهم.

أوجدت سياسات الانخراط الضخمة التي أطلقها حزب سونغكرام الوطني في أربعينات القرن الماضي المزيد من الحقد بين مسلمي مالاي. حاولت الحكومة إكراه شعب مالاي على الاستغناء من هويته كمالاي وكمسلم. وقد مُنعوا من لبس الثوب وغطاء الرأس التقليديين، ومن التحدث بلغة مالاي، وأجبروا على تبني أسماء تايلندية. كذلك منعوا من ممارسة شعائر دين الإسلام على أساس أن البوذية هي اللغة السائدة في تايلند.

قامت الحكومة بإلغاء المحاكم الإسلامية التي كانت قد تأسست للفصل في الشؤون الأسرية الإسلامية، وفرض على الطلبة من مالاي إظهار الاحترام لصور وتماثيل بوذا المتواجدة في المدارس الحكومية. وقد تم اعتقال هؤلاء الذين رفضوا الانصياع لهذه السياسات، بل وجرى تعذيب بعضهم. وكان لهذه السياسة نتائج مدمرة على العلاقة بين الحكومة التايلندية وسكان الجنوب.

ورغم أن هذه السياسات ألغيت فيما بعد، إلا أن شيئاً بدا وكأنه لم يتغير عبر العقود، وهو "عدم استعداد الحكومة الاعتراف بطبيعة النزاع على أنه ناتج عن قضايا اجتماعية وثقافية متأصلة"، حسب قول مايكل فاتيكيوتيس، وهو خبير بشؤون جنوب شرق آسيا ويقيم في سنغافورة.

ورغم أن الحكومة بذلت جهوداً للانخراط في مبادرات بنّاءة إلا أن الحساسية الثقافية للعديد من السياسات تبرز هذا الانعدام المتواصل للتفهّم. قامت حكومة رئيس الوزراء السابق ثاكسين سيناواترا على سبيل المثال بإيجاد بعثة لطلاب من الجنوب تعطى لهم بالقرعة، وهو أمر يُعتبر مقامرة يرفضها مسلمو مالاي.

تنزع حكومة بانكوك بدلاً من ذلك لأن ترى النزاع على أنه نتيجة لنشاطات إجرامية من قبل متشددي متدينين في الجنوب. لذلك تشكّل العمليات العسكرية دائماً عصب السياسات الحكومية.

كذلك ما زال المسؤولين الحكوميين في أقاليم المالاي المسلمة من التايلنديين العرقيين بشكل واسع، وهم بوذيون متدينون، الأمر الذي ينتج عنه انعدام التمثيل بالنسبة لغالبية السكان المالاي المسلمين في المنطقة على المستوى الوطني.

تحتاج الحكومة لأن تعيد النظر في سياساتها التكاملية. من الأسباب التي يمكن من خلالها تحقيق التكامل السلمي لمسلمي المالاي في تايلند أن تقوم الحكومة بإعطاء مسلمي المالاي حكماً ذاتياً ليحكموا أنفسهم. يمكن للحكم الذاتي أن يمكّن المالاي المسلمين من أن يؤثّروا بشكل مباشر على قدرتهم لتحسين مستوى معيشتهم في مجتمعاتهم.

كذلك يمكن للمزيد من التفهّم للواقع الثقافي والاجتماعي أن يولّد سياسات أقل تركيزاً على العمل العسكري وأن يؤدي إلى إشراك سكان الجنوب بأساليب ثقافية تتمتع بالاحترام.

تكمن سياسة الانخراط والتكامل في قلب النزاع في جنوب تايلند. سوف يستمر النزاع في هذه المنطقة بالثوران ما لم يتعامل المعنيون بالمشكلة بشكل إيجابي.

###

* فيسون داو محاضر في العلوم السياسية بجامعة شونغكلا بتايلند. هذا المقال جزء من سلسلة حول المجتمعات الإسلامية الأقل شهرة، وقد كُتب لخدمةCommon Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 20 آذار/مارس 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"توفّر مقالات خدمة Common Ground الإخباريّة للشرق الأوسط الأمل بأن هناك أناسا يعملون على حلول تلهمها الحاجة إلى التعايش بتسامح وبأمل بمستقبل أفضل."

- كريستوفر باتن، مفتش العلاقات الخارجيّة السابق في الهيئة الأوروبيّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
مثال البوسنة في التعايش
بنغلادش تتعامل مع التشدد المسلح
كشمير: نزاع في وادٍ مسالم
الصوفية كثقافة شبابية في المغرب
الدور المتنامي للمرأة السنغالية في الدين
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

مثال البوسنة في التعايش بقلـم أمير تاليبيسيروفيتش
بنغلادش تتعامل مع التشدد المسلح بقلـم تشينموي موتسودي
كشمير: نزاع في وادٍ مسالم بقلـم إرشاد محمود
الصوفية كثقافة شبابية في المغرب بقلـم مختار غامبو
الدور المتنامي للمرأة السنغالية في الدين بقلـم بندا مباو