إعادة إحياء المبادئ التأسيسيّة للباكستان

بقلـم هارون ناصر
طباعة
بريد إلكتروني
راوالبندي، باكستان – عقدت باكستان، التي أُعيد تشكيلها مجددا،ً أول جلسة لجمعيتها الانتخابيّة، التي شُكِّلت لصياغة الدستور الباكستاني ولتصبح أول برلمان لها، في 11 آب/أغسطس عام 1947. وقد رُشّح جوغندر ناث مندال، وهو هندوسي من إحدى الطبقات الاجتماعية المهمّشة رئيساً لها. وقد أعلن القائد الأعظم محمد علي جناح، مؤسس الباكستان يومها: "أنتم أحرار، أنتم أحرار لتذهبوا إلى معابدكم. أنتم أحرار لتذهبوا إلى مساجدكم وأماكن عبادتكم في دولة الباكستان. تستطيعون الانتماء لأية طائفة أو عقيدة، وهذا لا علاقة له بعمل الدولة".

وبهذا أرسى محمد علي جناح أركان نموذج تعددي للباكستان لتنمو كدولة مسلمة حديثة. إلا أنه، بعد وفاته عام 1948، جرى تجاهل هذا النموذج إلى درجة بعيدة، وطالما استخدَم الزعماء في الباكستان، التي يشكل المسلمون فيها 96,5% من السكان، الدين أداة للتفريق بدلاً من الوحدة.

وفي العام 1949 صدر "قرار الأهداف"، كمقدمة للدستور، معلناً الباكستان دولة إسلامية تحكمها المبادئ الإسلامية، وأُعلِنت طائفة الأحمدية، وهي جماعة إسلامية تؤمن أن قدوم السيد المسيح الثاني قد تم، أُعلِنت طائفة غير مسلمة من قبل الجمعية الوطنية عام 1954، وتم تأميم البعثات المسيحية التبشيرية الثقافية والصحية عام 1972، الأمر الذي نتج عنه تراجع وتهتك أهدافها وأدائها، وتهميش المجتمع التبشيري المسيحي الذي كان يدير هذه المؤسسات بفاعلية من قبل.

وفي أواخر سبعينات القرن الماضي وبدايات ثمانيناته، وفي محاولة لكسب الشرعية لحكمه العسكري، بدأ الجنرال ضياء الدين الحق عملية "أسلمة"، وبدأت حكومته تطبيق الشريعة عن طريق تطبيق قانون "الحدود"، الذي يسمح بعقاب مثل الرجم أو قطع الأطراف والجلد، على العلاقات خارج الزواج والسرقات وتناول المشروبات الكحولية، بناء على أحكام تصدر عن قضاة إسلاميين معيّنين كانوا يعتقدون أن هناك سوابق تاريخية لذلك.

وكانت المناهج المدرسية خلال تلك السنوات تُراجَع بهدف إدخال مكونات دينية بشكل كاسح لبناء "الشخصية الإسلامية" في أوساط الشباب الوطني وتمجيد الأبطال المسلمين. تجاهلت المناهج الجديدة الباكستانيين غير المسلمين ودورهم في العملية التنموية الوطنية، الأمر الذي عمل على استقطاب المجتمع الباكستاني عبر خطوط دينية.

إلا أن الباكستانيين العاديين لم يفقدوا الأمل، رغم هذه السياسات، بالنموذج الذي أوجده المؤسسون: مجتمع تعددي في دولة ذات غالبية إسلامية.

بدأ الباكستانيون من كافة العقائد والأصول والثقافات، بعد أن رأوا في التطرف الديني تهديداً مشتركاً، العمل معاً من أجل باكستان أكثر تسامحاً. وقد تسامى الدعم المقدم لضحايا زلزال عام 2005 والنازحين في الداخل نتيجة للنزاع بين الطالبان والحكومة على الحدود الدينية.

ويثبت وجود متنامٍ لمنظمات المجتمع المدني وحملات حقوق الإنسان والمرأة والحريات المدنية والمسؤولية الاجتماعية، رغبة في التوجه نحو المساواة. ويعمل عدد من المبادرات التطوعية على مستوى الجذور، مثل حركة الكتلة الحرجة، وحركة المحامين وحركة نحن الباكستانيين، على إنعاش شعور جماعي بالأمل من خلال توفير المعونة والدعم للنازحين وتنظيم الشباب لتنظيف المدن وتنظيم حملات وعي تنهض فوق الولاءات الدينية والثقافية والعرقية.

تحتاج الدولة لأن تبني على هذه الحركات وأن تتصرف فوراً لتصحيح أخطاء الماضي وتحويل هذا التحدي إلى فرصة. يمكن للخطوات التالية أن تساعد على وضع الدولة مرة أخرى في الطريق الصحيح:

1) إصلاح مناهج المدارس الحكومية لتخدم جميع الباكستانيين وتزرع في الطلبة فكراً يحترم الفروقات ويؤكد على فوائد التعددية في الأمة الحديثة.

2) مراجعة مناهج المدارس الدينية لتضم مواضيع مثل العلوم الطبيعية والاجتماعية والرياضيات واللغات الأجنبية والآداب والدراسات الاجتماعية والمدنية والديانات العالمية، وجميعها توفّر للطلبة تفهماً أوسع للشؤون المحلية والعالمية.

3) إبراز المساهمات البنّاءة للباكستانيين غير المسلمين في الإعلام. يمكن للإعلام، من خلال تدريب صحيح أن يلعب دوراً عبر تغطية الأخبار والقصص الإيجابية والتوقف عن الإساءة لسمعة الأقليات.

4) إزالة وتغيير القوانين المميّزة التي تجعل من التعايش المتبادل للمسلمين وغير المسلمين أمراً صعباً، مثل قانون الكفر والتجديف (الأقسام 295 ب و295 ج من اللائحة الجزائية الباكستانية) الذي استخدم أحياناً لمحاكمة غير المسلمين المتهمين بتدنيس القرآن الكريم أو التفوه بألفاظ مشينة تضر بالنبي محمد (ص)، وقانون الشاهد، الذي يدّعي أن شهادة المرأة لا تساوي شهادة الرجل وأنه لا يحق لغير المسلم الشهادة ضد المسلم.

شكّل غير المسلمين، منذ تأسيس الباكستان جزءاً لا يتجزأ من الدولة. ويعكس علم الباكستان هذا التنوع: يمثل الجزء الأبيض منه السكان غير المسلمين ويشكل الجزء الأخضر الداكن السكان المسلمين.

لن يكون الأمر سهلاً، ولكن يحتاج الباكستانيون إلى إعادة إحياء روح الوحدة في التنوع التي شكلت مبادئها التأسيسية.

###

* هارون ناصر زميل في البحوث في مركز الدراسات المسيحية في راوالبندي بالباكستان. هذا المقال جزء من سلسلة حول التعددية في الدول ذات الغالبية المسلمة، وقد كُتِب لخدمةCommon Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 17 تموز/يوليو 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"برأيي أنه من الأمور البارزة المتميّزة أن تنجح في جعل وسائل الإعلام تنشر مقالاً لخدمة Common Ground الإخبارية، وخاصة الإتصال من أجل تجديد الجهود لإعادة تفسير النصوص الإسلاميّة من خلال إجتهاد جديد. الجميع يريدون أن يتعلّموا كيفية الإمتداد والإتصال. لقد نجحت خدمة Common Ground الإخباريّة في ذلك".

- شامل إدريس، مدير سكرتاريّة تحالف الأمم المتحدة من أجل الحضارات
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
التقاليد الإسلامية والتعددية الدينية
المملكة العربية السعودية تدفع باتجاه الحوار الديني
التعددية الدينية في العالم الإسلامي اليوم
التعددية الإندونيسية يجب أن ترشدها المبادئ وليس السياسة
الطائفية اللبنانية: نعمة مختلطة
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

التقاليد الإسلامية والتعددية الدينية بقلـم ماهر أبو منشار
المملكة العربية السعودية تدفع باتجاه الحوار الديني بقلـم فهد الحمودي
التعددية الدينية في العالم الإسلامي اليوم بقلـم أسماء الدين
التعددية الإندونيسية يجب أن ترشدها المبادئ وليس السياسة بقلـم عرفان أبو بكر
الطائفية اللبنانية: نعمة مختلطة بقلـم لونا فرحات