التعددية الإندونيسية يجب أن ترشدها المبادئ وليس السياسة

بقلـم عرفان أبو بكر
طباعة
بريد إلكتروني
جاكرتا – اعتاد المسلمون منذ فترة طويلة في إندونيسيا على التنوع الديني. إلا أن هذا التنوع لا يُقبَل به إلا كحقيقة وليس كمبدأ إرشادي. لسوء الحظ أن مستقبل التعددية في إندونيسيا ما زالت تقرره المفاوضات السياسية بين النخب الدينية والنخب الحاكمة في الدولة، وليس من قبل المبادئ التي يعترف بها جميع أتباع الديانات. نتيجة لذلك، يقف التسامح الديني في إندونيسينا على أرض هشة.

لا ينعكس التنوع في إندونيسيا، كدولة تتواجد على أكثر من 17000 جزيرة، في مواردها الطبيعية فقط، وإنما كذلك في أعراقها ولغتها ودين شعبها. كان لسكان الدولة قبل وصول البوذية والإسلام والمسيحية وغيرها من الأديان العالمية إليها نظم معتقدات خاصة بهم، ما زالت تُمارَس في العديد من المجتمعات القبلية اليوم.

قرر الآباء المؤسسون الإندونيسيون عام 1945، وحتى يتسنى لهم إدارة هذا التنوع، إتّباع أساس مشترك يسمى بانكاسيلا، يضم المبادئ الأساسية الخمسة وهي التديّن والإنسانية والوحدة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتحكم هذه المبادئ الحياة العامة، ويتم الاعتراف بالدور الهام للدين في الحياة العامة من خلال المبدأ الأول، وهو "الإيمان بإله واحد أعلى". إلا أن هذا المبدأ لا يعترف بدين معين، ولا حتى الإسلام، وهو دين الغالبية، على أنه عقيدة الدولة.

يضمن الدستور الإندونيسي، الذي كتب عام 1945 أيضاً، حرية كل مواطن في ممارسة دينه، ويعلن أن "الدولة تضمن لجميع المواطنين حرية العبادة كل حسب دينه أو معتقداته" (المادة 29).

إلا أن الدولة في الواقع لا تضمن سوى حرية ممارسة ديانات معينة هي الإسلام والهندوسية والبوذية والبروتستنتية والكاثوليكية ومؤخراً الكونوفوشيوسية. ولا يتم الاعتراف بديانات ونظم معتقدات أخرى كأديان رسمية.

ولم يكن حال حتى الأديان المعترف بها حالياً هكذا دائماً. فلم يتم رفع الحظر على الكونفوشيوسية، التي بدأت ممارستها عام 1967 إلا في العام 2000. وفي أثناء إدارة الرئيس سوهارتو "النظام الجديد" عام 1965 – 1998، والتي سيطر عليها الجيش وتميّزت بضعف المجتمع المدني، طُلِب من أتباع كونفوشيوس، وأتباع الديانات المحلية الانتماء إلى واحدة من الديانات المعترف بها من قبل الحكومة والمسمّاة على بطاقات هويات المواطنين الشخصية.

إلا أنه ومنذ العام 2006 لم يعد هؤلاء الذين يتبعون ديانات غير معترف بها رسمياً من قبل الدولة مضطرون لإدراج واحدة من الديانات المعترف بها من قبل الدولة على بطاقات هوياتهم، رغم أنه لا يسمح لهم كذلك إدراج دياناتهم أيضاً.

إضافة إلى ذلك، وحسب القانون الإندونيسي الجزائي تملك الدولة سلطة التحقيق في أية مجموعات تُتهم بانتهاك التعاليم الدينية ومعاقبة المخالفين. وتجري هذه التحقيقات من قبل فريق التنسيق للرقابة على المجموعات والطوائف الدينية العامة، الذي يضم هيئات حكومية مختلفة ونخباً دينية.

يعني انعدام الانسجام بين مُثُل الدستور وسياسات الحكومة في الماضي أن إدارات ما بعد حقبة سوهارتو لم تكن تملك سياسة واضحة حول معاملة مجموعات كانت تعتبر خارج التيار الرئيس، مثل الأحمدية، التي يؤمن أتباعها أن المسيح المخلّص عاد في القرن التاسع عشر على صورة ميرزا غلام أحمد، أو تجمّع ليا إيدن، وهي طائفة صغيرة تجمع عناصر الإسلام والمسيحية.

ومنذ العام 1998، عندما بدأ السكان يشعرون بالارتياح للتعبير عن هوياتهم الدينية علناً، أصبحت هذه المجموعات أكثر ظهوراً. رأت العديد من المجموعات الدينية في التيار الرئيس، مدعية الدفاع عن الرأي القديم، ظهور هذه المجموعات على أنه تهديد يؤدي أحياناً إلى العنف لدى محاولة كل مجموعة الحفاظ على تأثيرها. ففي حزيران/يونيو 2008 على سبيل المثال، قامت مجموعة تدعي الدفاع عن الإسلام بهجمات على مجتمعات إندونيسية محلية تعتنق الأحمدية.

رداً على هذه الأزمة، قامت الحكومة بإصدار مرسوم وزاري مشترك من وزارة الشؤون الدينية ومكتب المدعي العام ووزارة الشؤون الداخلية، تمنع فيه أتباع الأحمدية من نشر تعاليمهم بهدف "الحفاظ على التناغم الديني والنظام العام".

ومن الأمثلة الأخرى على غياب سياسة واضحة إحجام الحكومة عن اتخاذ موقف حول فتوى أصدرها مجلس العلماء الإندونيسي عام 2005 يمنع فيها المسلمين من "اتباع أفكار التعددية والليبرالية والعلمانية". لا يُسمح بموجب هذا المرسوم للمسلمين الاعتراف بحقيقة وجود الديانات الأخرى أو استخدام المنطق لفهم القرآن الكريم أو إبعاد الدين إلى الشؤون الخاصة فقط، الأمر الذي يناقض بوضوح مبادئ التنوع التي تشكل أسس إندونيسيا كدولة.

تُظهر هذه الأمثلة أن إدارة التعددية في إندونيسيا، ارتكازاً على مصالح الحفاظ على التناغم الاجتماعي، ضحّت بالحرية الدينية والحقوق المدنية.

لن يتحقق التناغم الاجتماعي الحقيقي من خلال إسكات التنوع، ولا يمكن تحقيقه إلا عندما يتم الحفاظ على حقوق كل مواطن وكل مجموعة بعيداً عن التمييز الديني. وحتى يتسنى حدوث ذلك، يتوجب على الدولة أن تكون غير منحازة للتعاليم الدينية.

###

* عرفان أبو بكر منسق برامج في مجال حل النزاع ودراسات السلام في مركز الدراسات الدينية والثقافية بجامعة هداية الله الإسلامية في جاكرتا. هذا المقال جزء من سلسلة حول التعددية في الدول ذات الغالبية الإسلامية. كُتب هذا المقال لخدمة Common Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 7 آب/أغسطس 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
إعادة إحياء المبادئ التأسيسيّة للباكستان
التقاليد الإسلامية والتعددية الدينية
المملكة العربية السعودية تدفع باتجاه الحوار الديني
التعددية الدينية في العالم الإسلامي اليوم
الطائفية اللبنانية: نعمة مختلطة
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

إعادة إحياء المبادئ التأسيسيّة للباكستان بقلـم هارون ناصر
التقاليد الإسلامية والتعددية الدينية بقلـم ماهر أبو منشار
المملكة العربية السعودية تدفع باتجاه الحوار الديني بقلـم فهد الحمودي
التعددية الدينية في العالم الإسلامي اليوم بقلـم أسماء الدين
الطائفية اللبنانية: نعمة مختلطة بقلـم لونا فرحات