برنستون، نيوجيرسي – "يبدو الأمر وكأن شخصين مصابين بالجنون، أعماهما الغضب، قررا أن يحوّلا زواجاً مفروضاً عليهما لا يستطيعان الخلاص منه إلى عناق قاتل. قررا بعد أن أُجبرا على العيش معاً ولم يتمكنا من التوحّد، أن يموتا معاً على الأقل". هذا ما كتبه ألبرت كاموس في "رسالة إلى مسلّح جزائري" (تشرين الأول/أكتوبر 1955).
للخوف أسلوبه في الانتشار. هل تنطبق هذه الكلمات على النزاع العربي اليهودي؟ هل كُتِب على هذين الشخصين أن يعيشا في وادي ظل الموت، أم هل سيجدان طريقاً صحيحاً نحو السلام؟ تبدو العلاقات اليهودية العربية أحياناً مثل فصل آخر حديث من أسطورة سيسيفوس وهو يدفع صخرة التسوية والمصالحة إلى قمة السلام التالية، فقط ليراها تتدحرج مرة أخرى أسفل التل باتجاه تصعيد عنفي جديد. إلا أن مأساة تصميم سيسيفوس يمكن، بل ويجب أن تُستبدل بدراما بروميثيوس ذات العزيمة الحرة. بغض النظر عن عطاياه العديدة لبني البشر، حرم بروميثيوس، إله "بُعد النَظَر" الناس من التحذير المسبق، حتى لا يعرف بنو البشر موعد موتهم مسبقاً فيفقدوا الأمل.
هذا الخوف البدائي الإنساني من الموت، بالطبع، هو القوة المحرّكة وليس النتيجة، للنزاع. يولّد وَعينا بفنائيّتنا حاجتنا ليقين الوجودية، الذي يجد تعبيره بدوره في كفاحه من أجل الانتماء، والرغبة بالعثور على هوية، إضافة إلى الدفاع عن أسلوب حكم قابل للبقاء. يتواجد السعي لإفشال هذا اليقين المرغوب في قلب المعركة العربية اليهودية الدموية، وسوف تشكّل قدرتنا على التعامل معه وتحملّه مصيرنا وقدرنا.
"لدى العالم صور عديدة لإسرائيل"، كتب المفكّر اليهودي سايمون رافيدوفيتز سنة 1948، "ولكن لإسرائيل صورة واحدة عن نفسها، صورة شعب آيل للفناء، يقف إلى الأبد على حافة العدم ... لم يكن هناك جيل واحد تقريباً في زمن الشتات لم يعتبر نفسه الحلقة الأخيرة في سلسلة إسرائيل. رأى كل جيل أمامه الهوة جاهزة لابتلاعه". بعد أكثر من ستين سنة، وفي الدولة اليهودية كما في الشتات، ما زال الشك الوجودي يلازم "الشعب الذي يموت دائماً" ويقضّ مضجعه.
إلا أن هذا الشك ليس شاملاً. يجب علينا أن نفرّق بين وجهيه. فأحدهما يتجه نحو الماضي بحثاً عن هوية جماعية، والآخر يتجه نحو المستقبل بحثاً عن بقاء جماعي. يتعلق الشك الذي يصفه رافيدوفيتز بالبقاء المستقبلي للمجموعة، وليس بهويتها. ورغم أن كل جيل قد "يعتبر نفسه بالتأكيد آخر حلقة في السلسلة الإسرائيلية" إلا أنه لا يشك بدوره الراهن في الاستمرار في الهوية اليهودية التي تعتمد على الماضي.
ليس الخوف من فقدان الهوية هو الذي وصل القمة في السنوات الأخيرة، وإنما الشك حول إدامة حكم الدولة، وحول الموت المحتمل للدولة اليهودية. "ما يخيفني إلى أبعد الحدود"، يقول المؤلف ديفيد غروسمان عام 2003، "هو أنني لم أعد واثقاً بوجود إسرائيل ... فجأة أصبح احتمال عدم وجود إسرائيل أمراً راسخاً. لم يعد مجرد كابوس. الاحتمال موجود بأن التجربة العظيمة البطولية التي حصلت هنا سوف تختفي".
ليس غروسمان وحيداً في تفكيره. لا يوجد ما يخيف أكثر من الاعتقاد بأن خوفك هو أمل عدوك، وأن إنهاء وجود الدولة اليهودية، هو هدف العرب.
لا يوجد جديد تحت الشمس، من ناحية سطحية. عاش اليهود في فلسطين/إسرائيل منذ قرن من الزمان ليس فقط على حافة الهاوية، وإنما في ظل الجدار الحديدي. ادعى الزعيم الصهيوني اليميني زئيف جابوتنسكي عام 1923، "ليس هناك حتى بصيص أمل بالحصول على موافقة العرب على أرض إسرائيل في أن تصبح فلسطين دولة ذات غالبية يهودية". وقد رفض جهود تحقيق السلام الآن، لأن "الشعب الحي لا يقدّم تنازلات ضخمة كهذه حول قضايا مصيرية كهذه إلا عندما لا يعود هناك أمل، وفقط عندما لا نعود نرى شرخاً واحداً في الجدار الحديدي".
إلا أن الشروخ في الجدار الحديدي تبقى ظاهرة للجميع. تبدو الرغبة الصهيونية بتوجيه الوعي العربي نحو إدراك أن الدولة اليهودية ليست مجرد حملة صليبية شاردة أخرى، تبدو مجرد وهم نتمناه. لقد عمّقت أحداث مثل انهيار عملية السلام واشتعال الانتفاضة الثانية ومطالبة العرب بتحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، عمّقت المخاوف وولّدت تحولاً حسيّاً. هذا هو مهد المطلب الصهيوني الذي بدأ يظهر: ليس فقط الاعتراف بإسرائيل كأمر واقع، بل سبب الوجود ومبرره: حق الشعب اليهودي في تقرير المصير. وهذا حق ثنائي بهوية يعتبر اليهود كافة وشعب وليس مجرد تجمع ديني، وبحكومة ودولة ترسي قواعد وجود الشعب في دولة ذات سيادة. لهذا أصبحت معادلة الدولتين غير ذات معنى تقريباً في غياب الشرط الذي يختتمها: "لشعبين".
اعتبر أنصار هذه العملية هذا التحوّل كأسلوب لفضح أهداف الفلسطينيين الحقيقية، بينما اعتبره معارضوها عائقاً أمام المفاوضات البراغماتية. كلاهما على حق، ولكن ماذا يعني ذلك؟ هذا التحوّل في النموذج باقٍ، فالنزاع الآن، أكثر من أي وقت مضى، ليس عن عن دول وحدود فقط، وإنما عن أناس ومعتقدات، وليس فقط عن حكومات وسياسات، وإنما عن هويات كذلك. أصبح تعبير "النزاع الفلسطيني الإسرائيلي" تسمية خاطئة بشكل متزايد، فهو بدقة أكثر نزاع يهودي فلسطيني، بين صدام مجموعات صغيرة وليس بين دول. إضافة إلى ذلك، لا يبدي كلا المعسكرين سوى القليل من الاهتمام إلى الناحية المقابلة: الشك الوجودي الفلسطيني والذي ما زال، بخلاف اليهود الإسرائيليين، يتعلق إلى درجة بعيدة بصحة الهوية الجماعية.
يمكن تبرير التنازلات عن الأراضي، بالنسبة لليهود وهويتهم العرقية القديمة قدم الزمان، على أنه وسيلة لضمان الذات الجماعية. بالمقابل، وبالنسبة للفلسطينيين الذين تعتبر هويتهم جديدة وهشة وتعتمد على الأراضي بالدرجة الأولى، فإن خسارة الأرض يعرّض ماء الوجه للخطر، ويعرّض الذات الفلسطينية للفشل. لن يعمل الطلب الإسرائيلي الجديد من الفلسطينيين قبول حق الشعب اليهودي بتقرير المصير لا على رأب الصدع في الجدار الحديدي ولا يؤدي بالعرب لقبول أخلاقياته.
ليس الاتفاق الأخلاقي نتيجة للحوار السياسي. لا يمكن للسلام إلا أن يتأتى من الحوار الحسي المعياري، الذي يكمل الرحلة إلى أرضية مشتركة تهدف إلى منفعة من خلال تأطير وفلاحة أرضية مشتركة أخلاقية لا ترتكز على من هو على حق أو على خطأ، وإنما على ما يصنع الصواب والخطأ.
###
* يورييل أبولوف زميل ما بعد الدكتوراة في معهد ليشتنشتاين حول تقرير المصير في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والعالمية بجامعة برنستون، يركز عمله الحالي على دور الأخلاقيات السياسية في النزاع بين المجتمعات الصغيرة. كُتب هذا المقال لخدمة Common Ground الإخبارية.
مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 17 آب/أغسطس 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.