نيويورك – أعرب 74% من الفلسطينيين و78% من الإسرائيليين، حسب استطلاع أجراه الدكتور كولين إروين من معهد الدراسات الأيرلندية وحركة One Voice (صوت واحد)، عن استعدادهم لقبول حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. أين إذن جميع هؤلاء الناس؟
كان هناك ولمدّة عقود عديدة، نقص كبير في الدعم لجهود بناء السلام الموجهة على مستوى الجذور والمشاركة الإستراتيجية للمجال العام في العملية السلمية. وقد أدى ذلك إلى عجز كبير بين الرغبة العامة في السلام والاعتقاد بأن هذا السلام ممكن وعملي. ورغم أن الاستطلاعات تُظهِر استعداداً لقبول السلام، إلا أنه بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، يعتبر الفلسطيني شخصاً سيقتلهم إذا سنحت له الفرصة. وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، فإن اليهودي الإسرائيلي إما مستوطن يحمل بندقية أو جندي يقف على حاجز أو نقطة تفتيش.
أوجد الخوف والارتياب، رغم أنهما متأصلان في تجارب حقيقية، دائرة مفرغة من التنبؤات ذاتية التحقيق والعنف. ما يحتاجه كلا المجتمعين هو الحوار المفتوح حيث يصغي الناس بصدق لبعضهم بعضاً لمجابهة المخاوف.
لقد غطّى التعرض المتكرر للعنف عبر سنوات عديدة، والمصحوب بدينامية من الصور النمطية الشديدة ووجهات نظر مشوهة في كلا المجتمعين، على صوت المنطق.
في هذه الأثناء، يظهر الحوار على أعلى المستويات بين قادة الدول، والذي يؤشر ظاهرياً إلى تحوّل في السياسة وتقدّم نحو السلام، انفصالاً عميقاً عن الواقع. وحتى عندما يوقّع كبار القادة معاهدات، تبقى هناك على الأرض عداوة عميقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي بشكل عام. ويعتبر هذا بالنسبة للكثيرين مجرد مرحلة أخرى في دائرة من الأمل الزائف.
ليس من السهل كسر مشاعر الانفعال والكراهية. عندما قُتِلَت مجموعة من الطلبة بالقرب مني، إضافة إلى خسارة أصدقاء لي بسبب العنف الفلسطيني قبل ذلك ببضعة شهور، ولّدت هذه الصدمة كراهية ورغبة بالثأر. وقد جرى توجيه ذلك ضد عدو لا وجه له ولا اسم. عندما كنت أتخيل الفلسطينيين الذين سأقتلهم، تخيّلت فقط تعابير قاسية وعيوناً نارية يملأُها الحقد نحوي ونحو أسرتي.
لم أغيّر وجهة نظري إلا عندما أدركْتُ أن الإسرائيليين والفلسطينيين يمكن أن يتقاربوا كبشر، بغض النظر عن قضاياهم المتباعدة. وقد برز هذا الإدراك عندما قابلت فلسطينيين في مكان آمن استطعت فيه مشاركتهم آلامي وطرح أسئلة كنت دائماً أرغب بطرحها.
وبالرغم من وعيي بوجود فلسطينيين ما زالوا يرغبون بقتلي لمجرد أنني يهودي إسرائيلي، فأنا أعرف الآن أصدقاء فلسطينيين مرّوا بنفس التحول الذي مررت به.
هناك حاجة واضحة للانتقال إلى ما وراء التفاوض بين الحكومات والتقاليد السياسية، وزيادة الدعم للجهود بين الشعبين على المستوى الفردي.
يحتاج هذا النزاع البعيد المدى بالتأكيد لرؤية بعيدة المدى، فقد تمزّق النسيج الاجتماعي للعلاقات بين كلا المجتمعين نتيجة لعقود وأجيال من الحقد. لا يمكن بناء وجهات نظر جديدة بين ليلة وضحاها، إذ يتطلب ذلك تخطيطاً دقيقاً لإيجاد الآليات التي يمكن للإسرائيليين والفلسطينيين الالتقاء من خلالها والعمل معاً. ولكنها تبقى الأداة الفاعلة الوحيدة لتحييد التطرف. يحتاج الناس إلى مكان للتعبير عن صدمة فقدان عزيز والتعبير عن الحزن، ويحتاج كل من المجتمعين لأن يبدأ برؤية الإنسان على الطرف الآخر. وقتها فقط يمكن أن يتم تجنّب استغلال عملية السلام من قِبَل القادة على طرفي الطيف السياسي.
أجد نفسي خائفاً من أن تنتهي عملية السلام هذه مثلما انتهت مثيلاتها من قبل، بحادث عنفي كبير يعزز الفرضيات الزائفة، وباحتفال الفصائل المتطرفة باستمرار سفك الدماء. لا نستطيع السماح لذلك أن يحصل. يستطيع جيلنا اختيار تغيير أساليبنا وبالتالي تغيير مستقبلنا. عندما يلتقي الناس بعضهم بعضاً ويكسرون وجهات النظر السابقة، يصبح السلام محسوساً وحقيقياً كأي حجر أو جدار، وباقياً مثلهما تماماً.
###
* كوبي سكولنيك إسرائيلي انتقل إلى مستوطنة راديكالية في الضفة الغربية خلال دراسته الثانوية، وانضم إلى حركة كاهانا الشبابية التي قامت بتشجيع السلطة اليهودية وعملت بشكل منتظم على تشجيع أعضائها على مهاجمة الفلسطينيين. أصبح أثناء خدمته العسكرية واعياً بتعقيدات النزاع وبدأ بفتح ذهنه باتجاه وجهات نظر مختلفة. وهو الآن طالب في نيويورك وعالِم مشارك في مركز الديانات العالمية والدبلوماسية وحل النزاع بجامعة جورج مايسون. كُتب هذا المقال لخدمة Common Ground الإخبارية.
مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 24 آب/أغسطس 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.