تحويل الانتباه عن عودة المقراحي إلى وطنه

بقلـم كلود صالحاني
طباعة
بريد إلكتروني
واشنطن العاصمة – تشكّل الأحداث التي تلت قرار الحكومة الأسكتلندية الأخير إطلاق سراح عبد الباسط المقراحي، عميل المخابرات الليبية السابق الذي حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة لدوره في عملية تفجير رحلة بان آم رقم 103 فوق مدينة لوكربي، تشكّل حالة دراسية حول سوء الفهم العميق وسوء التواصل الموجود بين معظم العالم الإسلامي والغرب.

يمثّل المقراحي صورة كل ما هو شرير بالنسبة لهؤلاء الذين يعتقدون أنه مذنب بارتكاب العمل الوحشي: رجل ساهم بموت 270 شخصاً على متن طائرة تجارية و11 شخصاً على الأرض. ولو أنه وجد مذنباً بجريمة كهذه في بلده ليبيا، لكان على الأرجح أُعدم من قِبَل الدولة. ولكن وزير العدل الأسكتلندي كيني ماكآسكل يقول أنه أطلق سراحه كفعل رحمة، حيث يقال أن المقراحي يعاني من سرطان البروستات، وقد أعطاه أطباؤه فترة ثلاثة شهور من الحياة.

أظهرت الحكومة الأسكتلندية رحمة وتعاطفاً عندما أمرت بإطلاق سراحه بشكل مبكّر، وهي مشاعر لم يوفّرها المقراحي بالتأكيد لركاب الرحلة بان إم 103.

إلا أنه ولدى عودته إلى طرابلس، استُقبِل استقبال الأبطال من قِبَل جماهير تم نقلها إلى مطار طرابلس الدولي على متن حافلات استأجرتها الحكومة الليبية.

لاحظ التباين بين الظروف المحيطة بإطلاق سراحه وتلك المحيطة بعودته إلى وطنه: من ناحية، تم إطلاق سراح مجرم على أسس إنسانية، ومن ناحية أخرى جرى استقبال ذلك المجرم وكأنه نجم من نجوم موسيقى الروك.

كيف يمكن أن يُنظَر إلى نفس الرجل عبر عدستين مختلفتين إلى هذه الدرجة؟

يتوجب علينا حتى نبدأ بالإجابة على هذا السؤال أن ننظر إلى ما وراء المقراحي، ولوكربي وحتى ليبيا، وأن نفكك بعض الجدل الطويل المتوتر القائم بين الدول ذات الغالبية المسلمة والدول الغربية. يستطيع المرء أن يضع القرار الأسكتلندي أمام مضمون السياسة الخارجية الأوروبية والأمريكية الأوسع، وأن يطرح السؤال: ما الذي يدفع العديد من الغربيين الذين طالما دافعوا عن حقوق الأفراد لأن يهتموا بحياة شخص واحد، ولكنهم لا يفكرون مرتين وهم يلقون الصواريخ والقذائف على قرى بأكملها لقتل قائد واحد من الطالبان؟

كذلك ظهر التوتر جليّاً بين الاهتمام ببعض الأفراد وتجاهُل آخرين عندما طار الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إلى بيونغ يانغ لإطلاق سراح صحفيّتين أمريكيتين من أصول آسيوية كانتا قد اعتقلتا من قبل حرس الحدود الكوريين الشماليين بعد عبورهما البلاد خلسة. بالمقابل، لم تعطِ الإدارة الأمريكية السابقة أهمية لاعتقال مئات السجناء دون محاكمة في معتقل خليج غوانتانامو وسجن أبو غريب، أو إعادة أفراد متهمين بالاشتراك في أعمال إرهابية إلى دولهم الأصلية، حتى عندما كان المسؤولون الأمريكيون يعرفون تمام المعرفة أن هؤلاء المتّهمين سوف يتعرضون للتعذيب هناك.

تعمل أحداث كهذه من الكيل بمكيالين على الانتقاص من النية الحسنة التي نشأت نتيجة المساعدات الغربية السخية للعديد من الدول العربية والإسلامية وعلى إفشال الكثير من العمل الإيجابي الذي تقوم به العديد من المنظمات الغربية في أنحاء العالم. ويناقش بعض الذين يقللون من قيمة هذه الأعمال بأن بعض السياسات الغربية تكون حتى ضارة للناس الذين يفترض أنها تمد لهم يد العون.

إلا أن الشكاوى الشرعية ضد الغرب لا تبرر التصرف بأسلوب يستحق الشجب المماثل بمجرد أن تسنح الفرصة لذلك. لقد أضاعت القيادة الليبية الفرصة لإثبات أنها على استعداد فعلاً لاعتناق العدالة والمعايير الدولية بأسلوب له معنى.

يتوجب على المجتمع الدولي أن يتحرك قُدُماً بأسلوب صادق والذي سيتطلب الكثير من كلا الجانبين. نحتاج نحن في المجتمعات الغربية، حتى ونحن نرثي أحداثاً مثل لوكربي، إلى الإعتراف بعدد المرات التي نغلق فيها عيوننا أمام مقتل هؤلاء في الدول ذات الغالبية المسلمة، حيث تحظى الأهداف الإستراتيجية بالأولوية على قيمة الأفراد. يستطيع هؤلاء في الدول ذات الغالبية المسلمة، بل يتوجب عليهم مطالبة الحكومات الغربية بالالتزام بالمعايير الدولية، كما يتوجب عليهم أن يحاولوا الإلتزام بها هم كذلك. لم يحدث ذلك عندما عاد المقراحي إلى ليبيا. إذا استطاعت الدول ذات الغالبية المسلمة الحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان العالمية والعدالة بأسلوب له معنى، فقد يكون بالإمكان أن يجد الغرب شيئاً يتعلمه منها.

###

* كلود صالحاني هو محرر الميدل إيست تايمز ومحلل سياسي مقيم في واشنطن العاصمة. ظهر هذا المقال في الكويت تايمز وقد كُتب لخدمة Common Ground الإخبارية، كجزء من سلسلة حول تحليل السياسات الغربية في العالم الإسلامي.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 4 أيلول/سبتمبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
محاربة التطرف بدون محاربة المتطرفين
هل أصبح تشجيع الديمقراطية غير دارج في واشنطن؟
الاتحاد الأوروبي وتحوّل تركيا
منظور أمريكي جديد في الولايات المتحدة تجاه السلام في الشرق الأوسط
توجّه جديد للمعونة الأمريكية في العالم الإسلامي
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

محاربة التطرف بدون محاربة المتطرفين بقلـم كريستوفر بوتشيك
هل أصبح تشجيع الديمقراطية غير دارج في واشنطن؟ بقلـم أنور بوخرس
الاتحاد الأوروبي وتحوّل تركيا بقلـم جيرالد كناوس
منظور أمريكي جديد في الولايات المتحدة تجاه السلام في الشرق الأوسط بقلـم حسين إيبش
توجّه جديد للمعونة الأمريكية في العالم الإسلامي بقلـم غسان ميشيل ربيز