الاتحاد الأوروبي وتحوّل تركيا

بقلـم جيرالد كناوس
طباعة
بريد إلكتروني
كامبريدج، مساتشوسيتس – عندما أعلنت المفوضية الأوروبية في تشرين الأول/أكتوبر 2004 أن تركيا حققت شروط مباشرة مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، شكّل ذلك خبراً للصفحات الأولى حول العالم. اجتذبت تركيا الاهتمام العالمي بسبب أهميتها الجغرافية الإستراتيجية، ولأنها أول دولة ذات غالبية إسلامية مرشّحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

أحرزت تركيا خلال السنوات الخمس الأخيرة تقدماً مثيراً نحو تقوية مؤسساتها الديمقراطية، ففصلت بشكل بارز الجيش عن السياسة ورفعت القيود عن حقوق الأقليات وألغت محاكم الطوارئ. ما كان يمكن للعديد من هذه الإصلاحات أن يتصورها أحد، دعك من تطبيقها قبل بضع سنوات. وكما قالت ضيا أونيس، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كوتش باسطنبول: "جرى إطلاق مدّ من الإصلاحات، وجده التحالف المعارض للاتحاد الأوروبي في تركيا أنه يصعب مقاومته وبشكل متزايد".

امتدت الإصلاحات في العديد من الاتجاهات. يعامل قانون جزائي جديد جرى إنشاؤه عام 2004 القضايا الجنسية للمرأة وللمرة الأولى على أنها قضايا حقوق فردية، وليس شرف العائلة. تُجبر إصلاحات في الدستور التركي الدولة التركية على اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لتشجيع المساواة في النوع الاجتماعي. جرى تأسيس محاكم الأسرة وتعديل قوانين العمالة، وتم استحداث برامج جديدة للتعامل مع العنف الأسري وتحسين سبل وصول الفتيات إلى التعليم. هذه هي التغييرات الأكثر جذرية للوضع القانوني للمرأة منذ أكثر من ثمانين سنة.

يصعب أن نتذكر، إذا نظرنا إلى الوراء، حجم الفجوة المعيارية التي كانت تفصل تركيا عن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حتى العام 1999. أشارت المفوضية الأوروبية في تقرير لها عام 1999 حول تركيا: "هناك عيوب خطيرة من حيث حقوق الإنسان وحماية الأقليات. ليس التعذيب منهجياً، ولكنه ما زال واسع النطاق. كما يتم كبت حرية التعبير بشكل منتظم من قبل السلطات".

كانت هناك بين الأعوام 1991 و 1994 ادعاءات واسعة بالتعذيب رُفِعَت إلى منظمات حقوق الإنسان، وآلاف حالات القتل الغامضة. ومع حلول العام 1996 كانت 3000 قرية قد مُحِيَت عن وجه الأرض في جنوب شرقي الأناضول بينما قاتلت الدولة حزب العمال الكردستاني. كانت السياسة الوطنية وإلى حد كبير قد اختطفتها "دولة عميقة" غير شفافة وغير قابلة للمساءلة، بررت أعمالها حاجة ظاهرية لمحاربة أعداء تركيا، وخاصة حزب العمال الكردي.

ورغم القلق المتعلق باحتمالات تباطؤ الإصلاحات، شهد العام 2009 سلسلة جديدة من المبادرات، بما فيها انفتاح سياسي تجاه أقلية تركيا الكردية، وتحديد لسلطات المحاكم العسكرية، وأبرزت جميعها السؤال: "لماذا ما زال هذا العدد الكبير من الدول الأوروبية، في ضوء نجاح قوة الاتحاد الأوروبي الناعمة، يعربون عن القلق فيما يتعلق بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي؟"

ليست هناك إجابة سهلة. ذكر 69% من المستَطلعين في ألمانيا في استطلاع الباروميتر الأوروبي نصف السنوي في ربيع عام 2006، وهو الاستطلاع الذي يوفر تقريراً عن الرأي العام في كافة أرجاء أوروبا حول قضايا تتعلق بالسوق الأوروبية، ذكروا أنهم يعارضون انضمام تركيا إلى السوق الأوروبية. وضع ذلك ألمانيا في نفس مستوى لوكسمبورغ وثانية بعد النمسا (81% معارضون). في هذه الأثناء وفي فرنسا، تخاف غالبية النخب السياسية من حجم تركيا ومن الأثر الذي يمكن أن يكون لها على الآلية المؤسسية للاتحاد الأوروبي.

إلا أنه رغم هذه الدولة المتشائمة، تدعم غالبية واضحة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي. فرغم كل المشاكل والخطوات البطيئة، لم يحاول أحد حتى الآن إفشال العملية بشكل واضح. ويشكّل هذا بحد ذاته مؤشراً مثيراً للاهتمام، إذا أخذنا بالاعتبار المقاومة الشعبية للانضمام التركي، خاصة في ألمانيا وفرنسا والنمسا وقبرص.

ناقش الرئيس الأمريكي باراك أوباما، عند مخاطبته البرلمان التركي يوم 6 نيسان/إبريل، قائلاً: "تكمن عظمة تركيا في قدرتها على التواجد في مركز الأمور. ليس هذا هو المكان الذي ينفصل فيه الشرق عن الغرب، إنه المكان الذي يلتقيان فيه". وبينما تستمر تركيا في متابعة الإصلاحات فسوف تستمر في إفشال قضية هؤلاء الذين يؤمنون أنها لا تستطيع فعلياً أن تتغير.

من السهل أن يغمرنا التشاؤم، إلا أن نظرة إلى المدى الذي وصلت إليه تركيا منذ العام 1999 يشجع على الأقل على بعض التفاؤل الحذر بأن قصة "تحويل تركيا إلى الأوروبية" العظيمة سوف تستمر.

###

* جيرالد كناوس هو الرئيس المؤسس لمبادرة الاستقرار الأوروبي (www.esiweb.org) وزميل بمركز كار لسياسة حقوق الإنسان بكلية كينيدي بجامعة هارفرد. هذا المقال جزء من سلسلة حول تحليل السياسات الغربية في العالم الإسلامي وكُتب لخدمة Common Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 2 تشرين الأول/أكتوبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
تحويل الانتباه عن عودة المقراحي إلى وطنه
محاربة التطرف بدون محاربة المتطرفين
هل أصبح تشجيع الديمقراطية غير دارج في واشنطن؟
منظور أمريكي جديد في الولايات المتحدة تجاه السلام في الشرق الأوسط
توجّه جديد للمعونة الأمريكية في العالم الإسلامي
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

تحويل الانتباه عن عودة المقراحي إلى وطنه بقلـم كلود صالحاني
محاربة التطرف بدون محاربة المتطرفين بقلـم كريستوفر بوتشيك
هل أصبح تشجيع الديمقراطية غير دارج في واشنطن؟ بقلـم أنور بوخرس
منظور أمريكي جديد في الولايات المتحدة تجاه السلام في الشرق الأوسط بقلـم حسين إيبش
توجّه جديد للمعونة الأمريكية في العالم الإسلامي بقلـم غسان ميشيل ربيز