توجّه جديد للمعونة الأمريكية في العالم الإسلامي

بقلـم غسان ميشيل ربيز
طباعة
بريد إلكتروني
إيست ميريديث، نيويورك – تشكل الجامعة الأمريكية في بيروت، التي تخرَّج منها عشرات الألوف من القادة العرب خلال السنوات المائة والأربعين الماضية، مثالاً مشرّفاً للمعونة الخارجية المستخدمة بشكل جيد. ليست القيادية والشعور بخدمة العالم العربي هما ما يميز خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، فخريجو هذه الجامعة المرخّصة من جانب جامعة نيويورك هم مؤمنون في الغالب وبقوة بالثقافة والمثل الأمريكية.

إلا أن المعونة الخارجية للدول الفقيرة لا تُستخدم دائماً بشكل جيد. يستطيع المانحون الوصول إلى قلوب المستفيدين وعقولهم عندما تتعامل المعونة بشكل خلاّق مع الاحتياجات البشرية مثل التعليم وفرص العمل والمساواة في النوع الاجتماعي أو الصحة. إلا أنه ولسوء الحظ، جرى استخدام المعونة كذلك كتعويض عن أضرار نتجت عن حروب عقابية، وجرى أحياناً تبديدها بسبب الفساد من جانب المانح أو المستفيد. ففي العراق على سبيل المثال، يحتسب مؤشر الالتزام للتنمية التابع لمركز التنمية العالمية عام 2008 أن 11 سنتاً فقط من كل دولار تذهب فعلياً إلى المعونة، بسبب الفساد الواسع المستشري، وهذا أمر يتسبب بإحباط كبير للشعب العراقي.

المؤسف أن الجزء الأكبر من المعونة الخارجية في العراق، كما هو الحال في دول أخرى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، لها قاعدة عسكرية. تشجع المعونة العسكرية الدول النامية على الاعتماد على السلاح لتحقيق الأمن. تتسلم إسرائيل ومصر والعراق والباكستان وتركيا حصة الأسد من المعونة الأمريكية الخارجية، ومعظمها على شكل عقود دفاعية تفيد في نهاية المطاف الشركات الأمريكية، وتخدّر حساسية المستفيدين حيال السلام والتسوية. تستهلك إسرائيل ومصر وحدهما ما يزيد على نصف ميزانية المعونة الخارجية الأمريكية.

تنفق أمريكا، بصورة مطلقة (أكثر من 25 – 30 مليار دولار سنوياً) أكثر من أية دولة أخرى على المعونة الخارجية. إلا أنه رغم المبلغ المثير للإعجاب، تُعتبر المعونة الأمريكية ضئيلة مقارنة بثروتها الوطنية. تتبرع أمريكا بحوالي 0,016 من ناتجها المحلي الإجمالي، كما يقول روبرت مكماهون من مجلس العلاقات الخارجية. إلا أنه حسب المعايير العالمية، يتوقع أن يدفع كل دولة مانحة 0,7 بالمائة من الناتج الوطني الإجمالي كمساعدات خارجية.

إلا أن الولايات المتحدة أدركت خلال العقد الماضي وخاصة في ضوء هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، أن الوضع الراهن يجب أن يتغير. نتيجة لذلك كان هناك تقدم جاد في إصلاح عملية إيصال المعونة الأمريكية الخارجية. تحدّت الأدبيات الجديدة، حول بناء الدول مثل كتاب توماس كاروذرز خبير المساعدات الخارجية والإنسانية في صندوق كارنيغي للسلام العالمي "مساعدة الديمقراطية في الخارج"، سيطرة السياسة في مجال المعونة الخارجية. يناقش الاقتصاديون وبيوت الفكر الذين يفضلون التجارة الخارجية والاستثمارات الخارجية كأساليب إستراتيجية لبناء الثروة والحد من الفقر، أن المعونة الخارجية لا قيمة حقيقية لها على المدى البعيد للدول المانحة أو المستفيدة. يتكلم خبراء التنمية كذلك عن الحاجة لتحسين مستوى وفاعلية المعونة الإنسانية وفي الوقت نفسه تحسين مجالات أخرى للتنمية.

يفترق التوجه الأمريكي الجديد حيال المعونة الخارجية عن ممارسة ربط المعونة بالدرجة الأولى مع احتياجات الولايات المتحدة "الإستراتيجية"، الأمر الذي يترجم أحياناً بمكافأة الأنظمة الاستبدادية بمعونة إنسانية أو عسكرية لتحقيق الإذعان السياسية.

تربط مؤسسة تحدي الألفية، وهي هيئة حكومية أمريكية أُنشأت عام 2003 تحت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، كميات ضخمة من المعونة الخارجية الأمريكية المتأتية من أموال الضرائب مع الأداء المنافس للدول المستفيدة. لا تتأهل سوى الدول التي تستثمر في التنمية البشرية وتحترم حكم القانون وتمارس مبادئ السوق الحرة لتسلُّم منح أمريكية كبيرة في الاستثمار البشري.

وقد زادت شعبية مؤسسة تحدّي الألفية من التزام الولايات المتحدة بالتنمية وحسّنت من نوعية مبادرات التمكين. وتعتبر الدول التي تتوجه نحو الإصلاحات، مثل مالي والسنغال وغامبيا والمغرب والأردن وماليزيا وإندونيسيا من بين الدول ذات الغالبية الإسلامية التي حصلت على دعم مؤسسة تحدّي الألفية أو المتوقع إعطاؤها منحاً أمريكية كبيرة في المستقبل.

وفي الوقت الذي تحاول فيه أمريكا تحسين صورتها في العالم الإسلامي، أخذت تدرك ببطء أن توفير المعونة لبرامج تعود بالفائدة على شعب الدولة وليس الدولة فقط، يمكن أن يساعد بشكل كبير.

سوف يحتاج تحرير معونة الولايات المتحدة الموجهة نحو التنمية من أهدافها الإستراتيجية السياسية والعسكرية لفترة من الزمن، إلا أن الاستثمارات الأمريكية في هيئات مثل مؤسسة تحدي الألفية، والدول المستفيدة منها، تثبت أنها على الطريق الصحيح.

###

* الدكتور غسان ربيز (grubeiz@comcast.net) معلّق عربي أمريكي حول مواضيع التنمية والسلام والعدالة. وهو السكرتير السابق للشرق الأوسط في اتحاد الكنائس العالمي ومركزه جنيف. هذا المقال جزء من سلسلة حول تحليل السياسات الغربية في العالم الإسلامي، وكُتب لخدمة Common Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 2 تشرين الأول/أكتوبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
تحويل الانتباه عن عودة المقراحي إلى وطنه
محاربة التطرف بدون محاربة المتطرفين
هل أصبح تشجيع الديمقراطية غير دارج في واشنطن؟
الاتحاد الأوروبي وتحوّل تركيا
منظور أمريكي جديد في الولايات المتحدة تجاه السلام في الشرق الأوسط
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

تحويل الانتباه عن عودة المقراحي إلى وطنه بقلـم كلود صالحاني
محاربة التطرف بدون محاربة المتطرفين بقلـم كريستوفر بوتشيك
هل أصبح تشجيع الديمقراطية غير دارج في واشنطن؟ بقلـم أنور بوخرس
الاتحاد الأوروبي وتحوّل تركيا بقلـم جيرالد كناوس
منظور أمريكي جديد في الولايات المتحدة تجاه السلام في الشرق الأوسط بقلـم حسين إيبش