إعادة تعريف "اليهودية" في الدولة اليهودية

بقلـم مارك غوبن
طباعة
بريد إلكتروني
واشنطن العاصمة – تعتبر الدولة التي تُعَّرف بأنها دينية أو عرقية دائمة بأنها ضارّة لحقوق الإنسان، ومؤذية للسلامة الأخلاقية للتقاليد الدينية أو الثقافية. يخبرنا التاريخ أن المواطنين الذين لا ينتمون إلى الثقافة أو الدين الرسمي المحدد للدولة تتم عادة معاملتهم بشكل سيء. وهذا صحيح في الدولة اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية.

إلا أن الحقيقة هي أن إسرائيل قد تم تعريفها كدينية أو عرقية، ولن يتغير هذا في أي وقت قريب. لذا فإن هناك حاجة لعقد اجتماعي جديد حتى يتسنى التفاوض على الظروف التي يمكن عبرها لمجموعة سكان شديدة التنوع من اليهود وغير اليهود أن تتعايش بأمان ومساواة.

يمكن لعملية تفاوضية جادة تهدف إلى تحقيق تسوية أن تضم القليل من مصالح الجميع واحتياجاتهم، ولكن أن تكون أساسية بشكل خاص لتمكين حكم القانون الذي يلتزم به غالبية المواطنين، وهذا أمر أساسي لمستقبل إسرائيل أو أية دولة مسالمة في المنطقة.

ورغم أن دولة إسرائيل بُنيت على قصص الاضطهاد والدفاع الذاتي والبقاء فإن قصص الضحايا لا تشكل أساساً باقياً لدولة ديمقراطية. لا يمكن لدولة مستقرة ناضجة إلا أن تبرز من عقد اجتماعي يرتكز على رؤيا، وعلى الحاضر والمستقبل وليس على تاريخ مظلم.

يجب أن يكون أي عقد اجتماعي بين أفراد ومجتمعات متنوعة حيادياً بشكل كافٍ يشجّع ويحافظ على اعتناق كامل لجميع مواطنيه. تلك هي أفضل وصفة للاعنف والمساواة والتنوع والازدهار. تصبح القوانين المضادة للتمييز والتي يمكن تطبيقها في هذه البيئة قابلة للتطبيق بدلاً من حلم طوباوي.

هناك أسباب نفسية وتاريخية عميقة وراء اعتناق هذا العدد الكبير من اليهود لـِ "الدولة اليهودية"، وسبب تمسّك غالبية اليهود الإسرائيليين بشراسة بذلك التعبير. وبالمثل، يشكّل الدين الأساس الراسخ للعديد من المجتمعات العربية، وبوجود بعض الاستطلاعات التي تقترح أن ما يصل إلى 31% من الفلسطينيين يعرّفون أنفسهم كمسلمين أولاً، يتوجّب علينا مواجهة حقيقة أنه كما هو الحال في إسرائيل، يشكّل الدين كذلك مكوّناً مركزياً للهوية الفلسطينية.

اعتمدت تعابير الدين وتفسيراته تقليدياً على ما إذا كان مجتمع معين في حالة حرب أو يعيش في جو من الأمن والسلام. من المحتمل أن انعدام وجود التسوية العادلة بين اليهود والعرب هي العامل الأهم الذي يدفع التعبيرات العسكرية والهدامة للجزء اليهودي من الهوية الإسرائيلية والناحية المُسلمة في الهوية الفلسطينية. وطالما أنه لا يوجد عقد اجتماعي بين اليهود والعرب داخل إسرائيل، وبين اليهود وجيرانهم الفلسطينيين، نستطيع توقّع انحدار لولبي في التطرف الديني على الجانبين.

وحتى يتسنى توجيه الطابع الديني أو العرقي للمجتمعات الإسرائيلية والفلسطينية في اتجاه أكثر رقة واعتدالاً يتوجب على هذه المجتمعات أن تسعى للتوصل إلى تسوية شاملة.

هناك دلائل كاسحة من القرن التاسع عشر مفادها أنه رغم أكثر من ألف سنة من الاضطهاد الوحشي في أوروبا، انقسم حتى الصهيونيين أنفسهم، الذين شكّلوا أكثر المجموعات اليهودية وطنيّة يومها، حول الدولة "اليهودية". كثيرون منهم، مثل أحاد هاعام، وهو مؤسس محبوب للصهيونية الحديثة، آمنوا بوطن قومي حميد يؤكد على القيم الإيجابية لإحياء الثقافة العبرية، وليس الاستثناء السلبي للآخرين.

يعني هذا التوجه الإيجابي الحميد لليهودية أن باستطاعتك تكريم التاريخ اليهودي دون إنكار التاريخ الفلسطيني، بل حتى باستطاعتك احتضانه. تستطيع ضمان حقوق اليهود المضطهدين بدولة آمنة في إسرائيل والحفاظ عليهم ضمن دستور دون محاولة استئصال هوية الفلسطينيين وثقافتهم وحقوقهم المدنية. هناك سابقة في التاريخ الصهيوني، بمعنى آخر، لتحويل الهويات الثقافية والوطنية باتجاهات أكثر لطفاً.

وفي غياب تسوية سياسية نهائية على الأفق، من الأساسي ألا يجلس المواطنون والمنظمات غير الحكومية والإبداعيون الاجتماعيون ومؤسسات الأعمال إلى الوراء بسلبية منتظرين أن يقوم قادتهم بتشكيل واقع جديد. يتوجب علينا كأطراف ثالثة أن نيسّر بأي أسلوب نستطيعه الشبكات الاجتماعية التي ما فتأت تتسع، الملتزمة بتعريف أكثر لطفاً ورقة للناحية اليهودية للدولة اليهودية والناحية العربية أو الإسلامية للدولة الفلسطينية المستقبلية.

يمكن للدولة اليهودية على سبيل المثال أن تكون يهودية لأن التاريخ والثقافة اليهودية يجري تدريسهما، ويتم تكريم العبرية، ولكن ليس لأن اليهود يفضَّلون في كل قطاع عمل أو يُعطون حقوقاً حصرية على الأمن. يمكن للدولة اليهودية أن تحتضن اللاجئين اليهود دون استثناء الضحايا الآخرين للاضطهاد. تستطيع احتضان ثقافات عديدة وفي الوقت نفسه ضمان استمرار تكريم التاريخ اليهودي وارتباط اليهود القديم بالأرض.

يمكن لدولة تفخر بيهوديتها، على سبيل المثال أن تحتضن أنبياءها القدامى الذي نادوا بالعدالة الاجتماعية وحب الغريب وحسن الضيافة والتواضع. وإذا كانت تلك سمة بارزة لطابعها الوطني، فإنها لن تستثني هوية المواطنين غير اليهود الذين يستطيعون اعتناق تلك القيم من خلال ميراثهم الثقافي.

يحتاج اليهود اليوم بصفتهم المجموعة المسيطرة في إسرائيل، لبدء حوار واسع القاعدة لتشكيل تعريف جديد "لليهودية" في مفهومهم للدولة اليهودية. قد يشكّل فعل ذلك بصدق، مع زملاء الرحلة الفلسطينيين، أفضل طريقة لبناء الثقة وعقد اجتماعي جديد.

###

* مارك غوبن هو صاحب مدونة marcgobin.com وكتاب "جعل الأرض واحدة: فن دبلوماسية المواطن" ومدير مركز الديانات العالمية والدبلوماسية وحل النزاعات بجامعة جورج مايسون. هذا المقال جزء من سلسلة خاصة حول حرية الأديان في إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية. كُتب هذا المقال لخدمة Common Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
التغلّب على التحيّز الديني من خلال التعليم: تجربة جامعة بيت لحم
الحرية الدينية من أجل البقاء المتبادل
هناك حاجة لليهودية الشمولية في إسرائيل
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

التغلّب على التحيّز الديني من خلال التعليم: تجربة جامعة بيت لحم بقلـم الأب جمال خضر
الحرية الدينية من أجل البقاء المتبادل بقلـم مولي بيليغ
هناك حاجة لليهودية الشمولية في إسرائيل بقلـم مناخم كلاين