التغلّب على التحيّز الديني من خلال التعليم: تجربة جامعة بيت لحم

بقلـم الأب جمال خضر
طباعة
بريد إلكتروني
بيت لحم – يدرّس أستاذ مسيحي جامعي عن يسوع المسيح والكنيسة والثالوث الأقدس بجامعة كاثوليكية. قد يبدو من الطبيعي أن يفعل هذا الأستاذ ذلك، إلا أن 75% من طلابه هم مسلمون، فهذا مساق متطلب في جامعة بيت لحم، ويقوم بتدريسه وعنوانه "دراسات ثقافية دينية" أستاذ مسيحي وآخر مسلم بشكل مشترك.

يعيش المسيحيون والمسلمون جنباً إلى جنب في فلسطين، ويتم تشكيل جزء كبير من هوية الفلسطيني من خلال الطائفة الدينية التي ينتمي إليها. يأتي معظم ما يعرفه المسلمون عن المسيحية مما يتعلموه في دينهم، وهو مختلف من نواحٍ عدة عما تقوله المسيحية عن نفسها. ومعظم ما يتعلمه المسيحيون عن الإسلام هو ما يتعلمونه في مدارسهم ومايقوله أعضاء مجتمعهم عن جيرانهم المسلمين. وينزع البعض لأن يرى الإسلام كتهديد، ديمغرافي على الأقل، وهم يفترضون أن الإسلام يضم مكوّنأ معادياً للمسيحية. لذا يدخل الطلبة أحياناً بوابة جامعة بيت لحم، ويهم يحملون سوء فهم لدين الطرف الآخر وتحاملاً ضده.

يبدأ هؤلاء الطلبة، مسيحيون ومسلمون لدى انضمامهم إلى جامعة بيت لحم تجربة جديدة، فهم يدرسون معاً ويعيشون تحت نفس الظروف ويواجهون نفس المشاكل، في الجامعة وخارجها، ويسألون أحياناً بعضهم بعضاً أسئلة عن دينهم، دون أن يحصلوا أحياناً على إجابات مقنعة. وتوفر الدراسات الدينية المشتركة فرصة للطلبة لفهم موقف الآخر وللبدء باحترام الفروقات والخلافات.

يتكون الجزء المسيحي من المساق الذي أدرّسه ثلاثة مكونات رئيسية: الإنجيل، والتعاليم المسيحية الرئيسية وقضايا معاصرة. يطرح الطلبة العديد من الأسئلة، وتضم مواضيع النقاش قوانين لباس المرأة وغيرها من المواضيع المتعلقة بالنوع الاجتماعي والحروب الصليبية والعلاقة بين الدين والثقافة والعنف وسوء الفهم المتبادل.

ينزع الناس لأن يعتبروا دينهم الدين الشرعي الوحيد. ينضم بعض الطلبة لمساقنا بأفكار ثابتة راسخة حول معتقداتهم الدينية والأسلوب الذي يرون الآخر من خلاله. نحاول مع هؤلاء الطلبة أن ننخرط في حوار صعب ولكنه ضروري، وفي بعض الحالات تكون النتيجة محدودة. تحتاج رؤية أمور إيجابية حول دين الآخر الكثير من الشجاعة، لذا عندما يكتشف طالب ما أموراً إيجابية حول دينٍ غير دينه أو دينها، يشكل ذلك دليلاً على الانفتاح والتحول في وجهة النظر والمواقف. عندما أطلب من طلابي، على سبيل المثال، أن يخبروني ما الذي يحبونه في الكتاب المقدس (الذي يقرأونه خلال الأسبوع الأول) يجد بعضهم صعوبة في الإجابة. لذا أعيد صياغة سؤالي: ما الذي تجدونه في الإنجيل المقدس والذي يجعلكم مسلمين أفضل؟ يجعلهم ذلك يشعرون براحة أكبر وأن يسعوا لاكتشاف عناصر يحبونها في الكتاب المقدس.

يتم تحقيق تقدم حقيقي عندما ندرك أن الخلاف حول موضوع معين يمكن أن يتجاوز الخلافات الدينية، ويمكن للمسيحيين والمسلمين أن يجدوا أنفسهم على نفس الجانب في النقاش.

يحق للطلبة في بيت لحم الاحتفال بدينهم بشكل علني. يقوم المسلمون بتزيين حدائق الجامعة في أول أيام شهر رمضان المبارك، وعند قدوم عيد الميلاد، تمتلئ القاعة الرئيسية في الجامعة بالطلبة، مسلمين ومسيحيين، يحتفلون بميلاد السيد المسيح. وتتوقف الدراسة أيام الجمعة لمدة ساعة لأداء الصلاة، فيذهب المسلمون إلى قاعة للصلاة ويذهب المسيحيون إلى الكنيسة لحضور القدّاس قبل العودة إلى غرفهم الصفّية.

كنا ننوي تدريس اليهودية في مساقنا كذلك، ولكن نتيجة للصعوبات التي واجهناها في توظيف أستاذ يهودي (لا تسمح إسرائيل لليهود الإسرائيليين الذهاب إلى المناطق الفلسطينية) يقتصر تعليم اليهودية على قراءة التوراة والتاريخ اليهودي كما وردا في العهد القديم، من عصر آدم إلى عصر المكابيين. ورغم أن الجزء الخاص بالدين اليهودي محدود فإننا نشعر أن المساق يحاول تشجيع القيم المشتركة للديانات الثلاثة وأن الطلبة يتعلمون كيف يقدّرون اليهودية لكونها الدين التوحيدي الأول، أو كما يقول المسلمون، الديانة الإلهيّة الأولى. يتم تقديم مساق أكثر عمقاً حول اليهودية لطلبة الدراسات الدينية ولطلبة قسم السياحة.

تترك السنوات الأربع التي يقضيها الطالب بجامعة بيت لحم أثرها عليه مدى الحياة. نعلم ونقدر الصعوبات التي يواجهها الطلبة في حياتهم خارج الجامعة. نعرف صعوبات العيش تحت الاحتلال، وضغوطات عدم الحصول على وظيفة جيدة عند تخرجهم. لديهم قلق حقيقي حول مستقبلهم. ولكن عندما نرى انفتاحهم وتصميمهم على بناء مستقبل أفضل فإنهم يعطوننا الشجاعة على الاستمرار.

###

* الأب جمال خضر وهو رجل دين كاثوليكي فلسطيني من بطريركية اللاتين بالقدس، أستاذ جامعي في علوم الدين في مدرسة العلوم الدينية اللاتينية ببيت جالا، ورئيس دائرة الدراسات الدينية وعميد كلية الآداب بجامعة بيت لحم. هذا المقال جزء من سلسلة خاصة حول الحريات الدينية في إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
إعادة تعريف "اليهودية" في الدولة اليهودية
الحرية الدينية من أجل البقاء المتبادل
هناك حاجة لليهودية الشمولية في إسرائيل
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

إعادة تعريف "اليهودية" في الدولة اليهودية بقلـم مارك غوبن
الحرية الدينية من أجل البقاء المتبادل بقلـم مولي بيليغ
هناك حاجة لليهودية الشمولية في إسرائيل بقلـم مناخم كلاين