المراقب الداخلي اللبناني يعمل على جَسر الخلافات بين الشباب

بقلـم جوهانا هواري بورغيلي
طباعة
بريد إلكتروني
بيروت – سألني صديق وهو يضحك في أحد الأيام: "كيف يستطيع اللبنانيون تناول الطبق الرئيسي بعد تناول هذا الحجم الهائل من المقبّلات اللبنانية المعروفة بالمازة، والتي تحتل حيزاً كبيراً على طاولة الطعام؟"

أجبْته فوراً وبدون تفكير تقريباً: "نحن نادراً ما نصل إلى الطبق الرئيسي".

كانت هذه القصة أساساً لتفكير أكثر شمولية وعمق حول سيكولوجية الإنسان اللبناني. تتنوع المجتمعات المحلية المختلفة تماماً مثل "المازة"، لدرجة أنها عندما تجتمع لا تصل أبداً إلى القضايا الحقيقية. يجري عادة تأجيل المشاكل الحقيقية، نتيجة لضياعنا في خضمّ قضايا الجدود والذكريات الحلوة المرّة، ويقتصر تعاملنا على تلك القضايا القابعة أمامنا مباشرة.

يتعامل مركز الوساطة المهني بجامعة القديس يوسف في بيروت، مبتعداً عن هذا الأسلوب السائد، ومن خلال دوره المكافئ لدور "المراقب الداخلي الأكاديمي" والذي يعمل كمركز خاص يمكن لأي مواطن أن يذهب إليه للتوسط في نزاع ما، يتعامل مع المشاكل الآنيّة.

تأسّس المركز بجامعة القديس يوسف عام 2006، وقد قامت الجامعة بتخريج العديد من القادة السياسيين اللبنانيين منذ استقلال لبنان عام 1943 وحتى يومنا هذا، بمن فيهم العديد من رؤساء الجمهورية مثل إميل إدّة وبشارة الخوري وكميل شمعون وشارل الحلو. تضمّ الجامعة التي تأسست عام 1875 معاً أفراداً يمثلون تنوع اللوحة اللبنانية: موارنة وروم أرثوذكس وروم كاثوليك وسنّة وشيعة ودروز.

قد يصبح بعض هؤلاء الطلبة الشباب في يوم من الأيام قادة تكون مهمتهم إدارة سياسات الدولة وتشجيع التناغم بين أجزائها وتجمّعاتها الانتخابية.

يوفّر المركز، بصفته مركزاً مستقلاً تدريباً على أعمال التوسط لعاملين من كافة مناحي الحياة في لبنان. خلال بضع سنوات قصيرة نجح المركز في تدريب ما يزيد على سبعين وسيطاً من كافة الخلفيات والطوائف، من المحامين والأطباء والمهندسين من الرجال والنساء الذين تتراوح أعمارهن من 25 – 77 سنة. سجّل هؤلاء الوسطاء طوعاً في المركز ووافقوا على الالتزام بقوانينه وأخلاقياته التي صُممت لخدمة جميع اللبنانيين.

قام المركز كذلك بتنفيذ مشروع في التوسّط لخمسة وسبعين لبنانياً شاباً في خمس محافظات ريفية في الدولة. وقد أتى المشاركون من طوائف الشيعة والسنة والموارنة. ويهدف البرنامج الذي يدعمه المجتمع الأوروبي مالياً إلى مساعدة هؤلاء الشباب ليصبحوا وسطاء في نزاعاتهم وفي قراهم وفي حياتهم اليومية، وأن يتوقفوا عن النظر إلى الآخر من خلال عدسة العرقية والدين.

قام المركز كذلك باستحداث وحدة وساطة داخل جامعة القديس يوسف بهدف تيسير التواصل والمساعدة على حل الخلافات اليومية. مثلها مثل أي جامعة أخرى، من الشائع أن تبرز نزاعات ناتجة عن الاستفزازات أو تشويه السمعة أو الإهانات السياسية بين الطلبة خاصة عندا يعود الأمر إلى انتخاب مسؤولي الطلبة.

أما من حيث الممارسة فإن عملنا يتم من خلال جلسات التوسط التي يكون فيها للمشاركين الشباب بيئة حيادية سرّية للتعبير عن أنفسهم بحريّة. يتم الإصغاء لهم، من خلال معاملتهم بمساواة، دون إجحاف أو تحامل، وفهمهم دون الحكم عليهم. ويجري احترام آراءهم، وربما وللمرة الأولى في حياتهم، يستطيعون التفكير بإلقاء الحمل الذي حملوه منذ طفولتهم: أن يضطروا لتحمل مسؤولية مجتمعهم المحلي أو أسرتهم.

وفي هذا المضمون يبدأ أعضاء في المجتمعات المختلفة مشاهدة سلوك مشترك وأهداف مشتركة، مثل الانتماء لنفس البلد ونفس الأمة. يمثل التوسّط إذن حلاً للشباب اللبناني. إنه "مشروع اجتماعي"، خاصة في لبنان.

يتوجب شن حرب على الحرب في لبنان. وكما كتب فكتور هوغو مرة وبصدق: "الحرب حرب الرجال، والسلام حرب الأفكار والآراء". هل هناك ما هو أكثر نبلاً من وضع شخصين وجهاً لوجه، ليس لشن الحرب على بعضهما بعضاً وإنما لتحقيق السلام؟

رغم أن مفهوم المراقب الداخلي يبقى حديثاً نسبياً في لبنان، لا شك أن الممارسة المُمأسسة للتوسط داخل المجتمعات سوف تشهد تطوراً هاماً في السنوات المقبلة، في لبنان وفي الشرق الأوسط الأكثر اتساعاً.

###

* جوهانا هواري بورغيلي هي مؤسِّسة ومديرة المركز المهني للوساطة بجامعة القديس يوسف في لبنان. هذا المقال جزء من سلسلة تبحث في الدور المتطور للمراقب الداخلي في حل النزاع في أوقات متغيرة، وقد كُتب لخدمة Common Ground الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لقد تسلّمت ستة أسئلة من عدد من الأفراد الذين يعملون مع خدمة Common Ground الإخباريّة. آمل أن ينتبه الطلاب والمختصّون في جامعتنا (الأزهر) وكذلك المهتمّون بالأمور الفكريّة العامّة إلى الجهود التي بُذلت لإعداد هذه الأسئلة، وكيف أنها لم تصدر إلا بعد بحث واسع وجمع المعلومات ودراسات يمكن أن تملأ رفوفاً، وبعد استخدام أفكار منظمة تستقطب العلاقات بين مختلف الحقائق دون أن تشغل نفسها بالأوهام والتفاهات والأمور الصغيرة التي تهز صرح المعرفة."

- فضيلة الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصريّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
مراقب الأخبار في خدمتك
إلى أين تذهب المرأة المصرية طلباً للمساعدة؟
المراقب الداخلي في الباكستان يتعامل مع حالات الظلم وغياب المساءَلة
الرقيب الحكومي يحّرك المغرب قدماً
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

مراقب الأخبار في خدمتك بقلـم جيفري دفوركن
إلى أين تذهب المرأة المصرية طلباً للمساعدة؟ بقلـم سارة خورشيد
المراقب الداخلي في الباكستان يتعامل مع حالات الظلم وغياب المساءَلة بقلـم مصطفى قادري
الرقيب الحكومي يحّرك المغرب قدماً بقلـم مولاي محمد إيراكي