الجهاد من أجل تعزيز الذات

بقلـم عبد بهويان
طباعة
بريد إلكتروني
نيويورك – إذا علّمني كوني تربوي أي شيء، فهو أنه لا يمكن تجاهل العنصر البشري في أي عمل نقوم به. أنا لا أدرّس التاريخ فقط بل أدرّس طلبة في الصف الحادي عشر. لا توجد في غياب هؤلاء الطلبة أوراق لتصحيحها أو صوت أجشّ في نهاية اليوم أو غبار الطباشير على ثيابي. يتوجب عليّ أن أبقى واعياً بالمجال الواسع من الواقع الإنساني الموجود في غرفة الصف. الواقع أنني أعترف أن أكثر مجالات الفشل خطورة تبدأ عندما أنسى ليس فقط إنسانية طلبتي وإنما إنسانيتي أنا أيضاً.

يدهشني كأستاذ إذن، عندما يقوم مسلم في الجيش بقتل زملائه الجنود، أن تتمحور القضية حول دينه بدلاً من مجموعة القضايا التي يتعامل معها الجندي بشكل منتظم. جرى في غمرة السعي المحموم للإجابة على العديد من الأسئلة التي أثارتها حادثة فورت هود تجاهُل الوقائع الرهيبة للحرب والتجارِب القاسية التي مرّ بها جنودنا. إضافة إلى ذلك لم نعطِ سوى القليل من الأهمية لحقيقة أن قاعدة فورت هود نفسها لم تكن غريبة عن العنف بعد أن قام جنديان بقتل بعضهما بعضاً في حفلة في تموز/يوليو، وقتل جندي زوجته ثم قتل نفسه السنة الماضية. كما سجّلت قاعدة فورت هود 76 حادثة انتحار منذ العام 2003.

إلا أنني لا أندهش، كمسلم أمريكي، من ظاهرة "إلقاء اللائمة على الإسلام". يُعتبر الإسلام أحياناً الملام في الجريمة الإنسانية، لأنه يسهل إلى درجة كبيرة توجيه أصبع الاتهام نحو ما لا يستطيع توجيه الأصبع بالمقابل. في هذا اليوم وهذا الوقت، وضمن سعينا للحصول على إجابات سريعة وسهلة، ننزع لأن نزيد من أهمية النصوص الدينية على حساب كل من مضمون ذلك النص وقارئه.

يشكّل أي تفسير للكتب الدينية انعكاساً لقارئها. إذا كان القارئ يسعى لأن ينفث الحقد فقد يقرأ/تقرأ ذلك في النص الديني. لا عجب إذن أن المتطرفين من كافة الأنواع يستخدمون نفس الآيات القرآنية لدفع مواقفهم المتشددة، معززين دون ذكاء من طرفهم ادعاءات أعدائهم الذين يكرهونهم.

يقوم المتطرفون الدينيون وجهابذة الإعلام المضلَّلون في هذا المضمون، بتشويه غنى تعبير "الجهاد" ليعني الحرب المقدسة. ولكن الحرب ليست مقدسة أبداً. وبالطبع لا يمكن لها إلا أن تكون غير مقدسة حتى عندما تكون مبررة بشكل ديني. ليس هناك مفهوم للحرب المقدسة في الإسلام بهذا الشكل. إضافة إلى ذلك، لا يبرر الإسلام، في أي مكان وتحت أية ظروف قتل المدنيين. فقتل شخص ما في أي مضمون آخر غير الدفاع عن الذات كاف لإفشال أية محاولة لتبرير هجمة مسلّحة على أسس دينية.

يعني تعبير الجهاد بحد ذاته "الكفاح"، وبالدرجة الأولى لتعزيز الذات في عيون الله تعالى. وهذا يعني كفاحي لأن أكون ابناً أفضل، وصديقاً أفضل وأستاذاً أفضل، ويضمّ كفاحي لأصحو لأداء صلاة الفجر في كل يوم، ثم أبقى صاحياً للقيام بعملي.

سوف يبقى مفهوم "الجهاد الأصغر" المختَلَف عليه، وهو القتال الذي لا مناص منه، كما هو الحال في حالات الدفاع عن النفس ضد الاضطهاد أو سلب حريات العبادة، طالما أن هناك انتهازيون، مثل أسامة بن لادن، أو إلى درجة أقل غلين بيك الشخصية الإذاعية، الذين يستفيدون من هذا المفهوم طالما يصغي الناس لهم.

يستمر هؤلاء الناس بوصف الإرهاب المرتكب من قبل المسلمين بالجهاد. هذه التسمية غير المسؤولة تضفي شرعية دينية على أعمال مقيتة بشعة. ورغم أن هذا متوقع من جانب هؤلاء الناس المعينين، يجب على المجتمع في التيار الرئيس أن لا يكون متواطئاً في إبراز الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين. ورغم أن شخصيات كهذه هي جزء من المشكلة يمكن لبقيتنا أن يكونوا جزءاً من الحل.

يأتي هذا الحل إلى درجة بعيدة من فهم "الجهاد" الذي يبدأ عند الإنسان، الذي يعتقد المسلمون أنه تجسيد للقرآن الكريم. لقد نظّم الرسول الكريم الأسلوب الذي يتوجب على المسلمين التصرف بموجبه. وقد أوضح النبي (ص) أن الجهاد الأعظم هو النضال من أجل السيطرة على الشياطين في داخلنا. يتواجد جمال هذا النضال على مستوى إنساني أعمق، يعيشه كل منا، مسلم أكان أم غير مسلم، في كل يوم.

في هذه الأوقات المتوترة، يتوجب علينا تبنّي هذا النضال الإنساني بالذات، معاً، إذا أردنا مواجهة تحدياتنا اليومية.

###

* عبد بهويان أستاذ مدرسة ثانوية في مدينة نيويورك يعمل مع "دَرِّس من أجل أمريكا" وخريج من جامعة جورجتاون حيث تخصص في مجال السياسة الدولية بتركيز على الإسلام والتفاهم الإسلامي المسيحي. هذا المقال جزء من سلسلة حول أسطورة أن الإسلام عنفي بطبيعته، وقد كُتب لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
حل قضية "الكفّار" في الإسلام
هل القرآن الكريم معاد لليهود والمسيحيين؟
توجيه الانتقاد للممارسة الشرطية الخارجة عن القانون في إندونيسيا
ليس العنف ضد المرأة من عقائد الإسلام
الحدود الإسلامية في محاربة الظلم
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

حل قضية "الكفّار" في الإسلام بقلـم ماهر أبو منشار
هل القرآن الكريم معاد لليهود والمسيحيين؟ بقلـم لينا العلي
توجيه الانتقاد للممارسة الشرطية الخارجة عن القانون في إندونيسيا بقلـم نوفريانتوني كاهار
ليس العنف ضد المرأة من عقائد الإسلام بقلـم نازيش يارخان
الحدود الإسلامية في محاربة الظلم بقلـم محمد فاروق خان