الحدود الإسلامية في محاربة الظلم

بقلـم محمد فاروق خان
طباعة
بريد إلكتروني
بيشاور، باكستان – يتساءل الناس في كل مرة يضرب فيها الإرهاب الباكستان ويفقد أناس أبرياء حياتهم، ما هي التعاليم الإسلامية التي أساء مرتكبو هذه الأعمال استخدامها لتبرير أعمالهم. كانت المقاطعة الشمالية الغربية الحدودية في الباكستان حيث أقيم عُرضة للانفجار بشكل خاص مؤخراً، ويصاب الناس بالصدمة بشكل متزايد نتيجة للمنطق الموروب الذي يستخدمه المفجّرون الانتحاريون لقتل أفراد عائلاتنا وأصدقائنا وجيراننا.

تزايد خلال السنوات الثلاثين الماضية عدد المنظمات الإسلامية المتشددة مثل تنظيم القاعدة والجهاد الإسلامي، المنخرطة في حروب أعلنتها ضد الآخرين، بغض النظر عما إذا كانوا شعوباً خارجية أو حكوماتهم أو حتى أفراد من ديانات ومجموعات عرقية أخرى، ينظرون إليهم كظالمين. تأتي رؤى خاطئة كهذه نتيجة لفشل في فهم القرآن الكريم في مضمونه الصحيح، والفشل في قراءة أقوال وأعمال النبي محمد (ص) أي الحديث الشريف، إلى جانب القرآن الكريم.

يعتبر أناس كثيرون يقرأون القرآن الكريم بشكل حرفي أن بعض الآيات تشجع على العنف. ومن الآيات التي يجري الاستشهاد بها أحياناً: "أُذِن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير" (39:22). ويعتقد الكثيرون أن هذه الوصيّة تفرض على كل مسلم تعرَّض للظلم بشكل فردي أو جماعي أن يقاتل بعنف ضد ما يراه ظلماً.

يناقش فقهاء الدين المسلمين من القرنين الثامن والتاسع الذين أسسوا المذاهب الفقهية الخمسة (الحنفي والحنبلي والشافعي والمالكي والجعفري) جميعاً أن المسلمين لا يمكنهم شن الحرب دون وجود دولة أو حكومة توافق على ذلك وتباركه. ويتواءم طرحهم مع قول النبي الكريم أن الحاكم درع تجري الحرب تحت إمرته.

هناك منطق وراء هذا الإدراك الحسي. إذا سُمِح لكل مسلم شن الحرب وحده أو وحدها بشكل فردي، غدا المسلمون مفرّقون دون سلطة تربطهم وسوف ينتج عن ذلك فوضى عارمة ويختلط الأمر بشكل شامل مما يخالف روح الإسلام. يقول القرآن الكريم: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريبٌ من المحسنين" (56:7).

سلطة الدولة ضرورية ليس فقط بهدف الحفاظ على القانون والنظام بين المسلمين وإما كذلك بسبب أهمية ووزن المعاهدات في الإسلام. ينصح القرآن الكريم أنه حيث توجد اتفاقية سلام بين دولة مسلمة وأخرى غير مسلمة، يتوجب على الأولى ألا تشنّ الحرب حتى لو كان ذلك لأجل مساعدة مسلمين يتعرضون للظلم في الدولة الثانية. "... إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير". (72:8).

سبب هذه الوصية هو أن العلاقات الإيجابية بين كينونتين أكبر حجماً، دول أكانت أو حكومات أو مجتمعات، هامة بشكل حرج للحفاظ على السلام الشامل. بينما يعتبر شن الحرب ضد دولة أخرى بهدف إنقاذ أقليات مسلمة مظلومة يعرّض العلاقات إلى الانحلال ويخلق خلافاً وتنافراً للغالبية.

لم يُسمح بشن الحرب دفاعاً عن الدولة الناشئة ضد المعتدين إلا بعد تشكيل أول حكومة إسلامية في المدينة، حيث سافر النبي محمد (ص) مع صحابته بعد مغادرته مكة بسبب الاضطهاد الذي تعرّض له. لذا نزلت الآيات القرآنية التي تشجع الناس على المشاركة في الحرب ضد الظلم والظالمين أثناء فترة وجود النبي في المدينة وبعد تأسيس الدولة. لم يكن هناك في ذلك الوقت مفهوم جيش الدولة الوطني، لذا كان من الإلزامي إقناع المسلم العادي نيابة عن الدولة وبموافقتها أن يحارب لحماية المجتمع الإسلامي الناشئ.

طالما أكّد القرآن على أن الحرب هي الخيار الأخير، ويجب خوضها مع أخذ القيم الإنسانية بعين الاعتبار: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يُحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولاهم فأولئك هم الظالمون. (60: 8-9).

تثبت هذه الآيات في نهاية المطاف أنه لا يُسمَح لأي أفراد أو عاملين من خارج الدولة أن يشنّوا حرباً باسم الإسلام أو نيابة عن أي مجتمع مسلم، محلياً أو عالمياً. يحسن المسلمون صنعاً أن يعودوا إلى المصادر الأولية، القرآن الكريم والحديث الشريف، ليفهموا بصورة أفضل رسائلهما الرئيسية كاحترام القانون الدولي وروح السلام والعدالة السائدة في الإسلام.

###

* الدكتور محمد فاروق خان عالم إسلامي وكاتب عمود ومقدّم برامج تلفزيونية من بيشاور في الباكستان. هذا المقال جزء من سلسلة حول الأسطورة القائلة بأن الإسلام عنفي بطبيعته، وقد كُتب لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 8 كانون الثاني/يناير 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
الجهاد من أجل تعزيز الذات
حل قضية "الكفّار" في الإسلام
هل القرآن الكريم معاد لليهود والمسيحيين؟
توجيه الانتقاد للممارسة الشرطية الخارجة عن القانون في إندونيسيا
ليس العنف ضد المرأة من عقائد الإسلام
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

الجهاد من أجل تعزيز الذات بقلـم عبد بهويان
حل قضية "الكفّار" في الإسلام بقلـم ماهر أبو منشار
هل القرآن الكريم معاد لليهود والمسيحيين؟ بقلـم لينا العلي
توجيه الانتقاد للممارسة الشرطية الخارجة عن القانون في إندونيسيا بقلـم نوفريانتوني كاهار
ليس العنف ضد المرأة من عقائد الإسلام بقلـم نازيش يارخان