ليس الأمر بهذا السوء بالنسبة لغير المسلمين في المغرب

بقلـم محسن الأحمدي
طباعة
بريد إلكتروني
واشنطن العاصمة – يتساءل الكثيرون عن علاقة مبادئ الشريعة الإسلامية مع العالم الحديث. لقد أثرت الشريعة في المغرب على القوانين الوطنية وخاصة مدوّنة القوانين الوطنية وقانون الأسرة، مبدئياً بشكل إيجابي. وإذا أضفنا إلى ذلك تقاليد الدولة في مجال التسامح والانفتاح، نجد أن ذلك وفّر للحكومة المغربية أساساً لحماية حقوق الأقليات الدينية داخل حدوده.

اتخذ الملك محمد السادس، الذي تسلم العرش عام 1999 قراراً استراتيجياً بإدخال إصلاحات ديمقراطية وإعادة هيكلة النظام القانوني بحيث يمكن للمغرب أن يصبح مجتمعاً شمولياً متعدد الأديان، يلتزم بصورة أفضل بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المكرّس جزئياً للتقدم في مجال الحريات الدينية.

وقد نتج عن هذا القرار تبني أجندة رسمية عُرفت بـِ "إصلاحات المجال الديني" عام 2004 من قبل الملك، الذي قام بدوره بتوكيل عملية تنفيذ هذه الإصلاحات إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد توفيق.

وقد جرى التعبير عن هدف هذه السياسة الجديدة في خطاب الملك إلى الأمة يوم 31 تموز/يوليو سنة 2009، والذي ميّز فيه بين الإسلام والسياسة.

إلا أنه كان هناك استثناء بين دوره كرئيس دولة وأمير للمؤمنين، وهي تسمية دينية جرى توارثها من أيام الإسلام الأولى، والتي تجعل الملك المغربي الممثل البارز للمسلمين وللأقليات الدينية التي تقيم في المغرب. وبذلك تنص المواد 9 و16 من الدستور أن دور الملك هو حماية الهوية المسلمة للشعب المغربي واحترام حقوق الأقليات الدينية.

يتمتع المغرب بتقاليد قديمة من الحريات الدينية، تظهر بوضوح في الطائفة اليهودية الموجودة هناك منذ فترة طويلة. وتتواجد هذه الطائفة اليوم هناك إلى جانب طائفة مسيحية ناشئة. واستمراراً لجهوده في التأكيد على قيمة المجتمع التعددي، يشجع الملك محمد السادس أتباع جميع الأديان في المغرب ليستفيدوا من هذه التقاليد في خلال مؤتمر عُقد في أيلول/سبتمبر 2009 عنوانه "السعي لتحقيق إسلام متنوّر: العهد الذهبي للتوحيد".

يصعب الحصول على معلومات دقيقة حول التركيبة الدينية للمغرب، ولكن حسب منتدى بيو حول الدين والحياة العامة، يشكّل المسلمون حوالي 99% من السكان، وتضع التقديرات عدد المسيحيين عند نسبة 1%، واليهود 0،2%. معظم المسيحيين هم من الأوروبيين أو من الطلبة من إفريقيا شبه الصحراوية الذين يقيمون ويعملون في المدن الكبيرة مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش. ويقدر المحللون أن حوالي 5000 مغربي تحولوا إلى المسيحية خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة لتزايد النشاطات التبشيرية للطائفة الإنجيلية وتواصلها مع الشباب والفقراء.

إلا أنه لا توجد بيانات مغربية رسمية حول هذا الموضوع حيث أن الحكومة لا تقوم بجمع المعلومات حول الانتماء الديني في تعدادها السكاني.

يوجد في المغرب، بموجب المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على أن للجميع الحق في ممارسة دينه أو دينها بشكل علني، عشرة بيوت عبادة دينية يهودية عاملة و16 كنيسة، حيث يستطيع اليهود والمسيحيون ممارسة دينهم فيها علناً دون تدخل. ولدى الهندوس والبوذيين كذلك دور عبادة في الرباط والدار البيضاء.

يقوم القانون على حماية هذه المساحات الدينية من العنف. والأهم من ذلك هو أن القوانين التي تسمح بحرية التجمع والتعبير، والقدرة على العبادة بشكل علني أو غير علني، ينص عليها الدستور وقانون العقوبات بوضوح، وكلاهما أُعّد بعد استقلال المغرب بفترة وجيزة عام 1956.

يجتمع شيعة المغرب والبالغ عددهم حوالي 3000 شخص بحرية بشكل عام، وقد قاموا بتأسيس منظمات مثل منظمة شيعة المغرب وجمعية التواصل في مدينة الحسيمة، وجمعية الأنبيات في طنجة وجمعية الغدير في مكناس. ولم يتعرض الشيعة يوماً لأية مشاكل عند ممارسة شعائرهم بشكل علني.

كما يمارس اليهود شعائر دينهم بسلام في دور عبادتهم منذ سنوات عديدة، ويقومون بزيارات منتظمة للحج إلى مقامات الأنبياء اليهود في كافة أنحاء المغرب. وقامت الجالية المسيحية بإنشاء كنائس ومدارس ومستشفيات ودور أيتام دون أي تدخل من طرف الحكومة.

ويقول رئيس الأساقفة الكاثوليكي في الرباط، فنسنت لاندل: "يتعايش المسلمون والمسيحيون معاً بسلام وأخوّة". ورغم أن التبشير بهدف تحويل المسلمين إلى المسيحية ممنوع قانونياً بموجب قانون يستند إلى المبادئ الإسلامية، إلا أن الأسقف لاندل يشير إلى أن باستطاعة المسيحيين في المغرب ممارسة شعائر دينهم بحرية. إضافة إلى ذلك، يُسمح بالزواج المختلط للرجال المسلمين فقط، ويتوقع من غير المسلم الذي يتزوج مسلمة أن يتحول إلى الإسلام قبل الزواج.

تحاول الحكومة الحفاظ على وتشجيع توجهات إيجابية فيما يتعلق بالحريات الدينية، ويأمل المغرب أن يديم هذا التعايش السلمي بين الجاليات الدينية ليشكل مثالاً إيجابياً لبقية العالم المسلم.

###

* الدكتور محسن الأحمدي أستاذ في علم الاجتماع بجامعة قاضي إياد في مراكش، وهو عالم زائر في مركز الوليد بن طلال للتفاهم بين المسلمين والمسيحيين بجامعة جورجتاون. هذا المقال جزء من سلسلة حول الشريعة الإسلامية والأقليات غير المسلمة، وكُتب لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 22 كانون الثاني/يناير 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
إسعوا للروح الإسلامية، لا للدولة، يقول العلماء المسلمون
الشريعة في صالح حقوق الأقليات في مصر
وضع حقوق الأقليات في مضمونها
قوانين التكفير الباكستانية تحتاج للإصلاح
هل المصريون مستعدون للمساواة في الحقوق بالرغم من الدين؟
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

إسعوا للروح الإسلامية، لا للدولة، يقول العلماء المسلمون بقلـم إيزابيل دانا
الشريعة في صالح حقوق الأقليات في مصر بقلـم سارة خورشيد
وضع حقوق الأقليات في مضمونها بقلـم أصغر علي إنجنير
قوانين التكفير الباكستانية تحتاج للإصلاح بقلـم هوما يوسف
هل المصريون مستعدون للمساواة في الحقوق بالرغم من الدين؟ بقلـم ياسر خليل