حول النزاع العربي الإسرائيلي
 
المجتمع المدني الفلسطيني يبحث عن هوية
بقلـم ماهر عيسى
01 مارس/آذار 2010
طباعة
بريد إلكتروني
مدينة غزة – يخلق الوضع السياسي المتغير الحاجة للمجتمع المدني الفلسطيني لأن يعيد التفكير بشكل متواصل بهويته الحقيقية. يتوجب على هذا المجتمع اليوم أن يقرر كيف يواجه الأسئلة الحاسمة مثل مجال عمله وعلاقته مع الحكومة وإستراتيجياته وتكتيكاته، دون أن يفقد ينسى سبب وجوده الرئيس، وهو خدمة المجتمع الفلسطيني.

ليس هذا التحدي سهلاً. يتوجب على المجتمع المدني أن يسير على خط رفيع حتى يتسنى له تجنب العداء بين حماس وفتح. إضافة إلى ذلك، يتوجب عليه أن يعيش في بيئة جعل فيها الاحتلال وما نتج عنه من عنف مضاد، لغة الحوار والتفاهم غير موجودة. إلا أن مجتمعاً مدنياً صالحاً يعمل بصورة جيدة يعتبر حيوياً لبناء فلسطين قوية ومستقلة.

تلعب منظمات المجتمع المدني في المناطق الفلسطينية مجالاً متنوعاً من الأدوار الهامة، الأمر الذي يجعل منها أكثر ضرورة للفلسطينيين. وهي لا تعمل فقط كمؤسسات تقدّم الخدمات للسكان في مجالات مثل الدعم النفسي للمجموعات المعّرضة وإعادة التشغيل وإيجاد فرص عمل وبناء القدرات والتدريب وتوفير منابر لحرية الفكر والتعبير، وإنما تشكّل كذلك رقيباً على الحكومة وغيرها من المؤسسات الرسمية.

تواجه منظمات المجتمع المدني الفلسطينية تحديات داخلية وخارجية يفرضها الواقع الفريد الذي يعيشه الفلسطينيون، إذ يُطلَب منها الرد على أسئلة صعبة مثل: ما هو موقفها من الاحتلال؟ وكيف يمكنها لعب دور فاعل في دعم صمود الشعب الفلسطيني دون الانخراط في نشاطات يمكن أن تصنَّف على أنها إرهابية أو عنفية، الأمر الذي ينفي حالة السلمية واللاعنف الضمنية التي يجب أن يمثلها المجتمع المدني؟ ما هو موقف منظمات المجتمع المدني المستقلة فيما يتعلق بالقضايا الوطنية التي تتطلب منها التعبير عن رأي سياسي أو قانوني؟ كيف يمكنها أن تفعل ذلك دون أن يُنظَر إليها على أنها تقف في الصف مع حماس أو فتح، وهو الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى إيجاد ردة فعل من الطرف الذي استُبعِد؟

أما التوترات الداخلية في المجتمع الفلسطيني فهي لا تقل تحدّياً عن التوترات الخارجية، حيث أن القرارات قد تحمل في طياتها مخاطرة تقويض أركان الحيادية الظاهرة وصورة منظمات المجتمع المدني. وينطبق هذا بشكل خاص على مجتمع يكون فيه الوضع السياسي خلافياً لدرجة أن الصور النمطية والإشاعات تكثر وتغذي أحياناً قرارات تنتج عنها.

يفرض هذا الوضع على منظمات المجتمع المدني أن تفكر مرتين قبل القيام بأي عمل يمكن أن يُرى على أنه غير مقبول من جانب الأطراف المتناحرة، أو قد يساء فهمه. الخيار الناتج هو إما البقاء دون نشاط والقيام ببدائل مأمونة تكون من حيث المبدأ غير ذات معنى، أو المخاطرة بأن يثير عملٌ ما غضب مجموعات أو أفراد معينين.

وتطرح الظروف الخارجية على الأرض، التي تفرضها إسرائيل والمجتمع الدولي معضلة أخرى. إذا قررت منظمات المجتمع المدني الانخراط في نشاطات معادية للاحتلال حسبما يفترض أن دورها يتطلب، مثل التظاهر ضد المستوطنات وهدم المنازل والاعتقالات الجماعية اليومية وأعمال الغزو والتغلغل، فإن خطر وصم هذه المنظمات بالإرهابية أو الخطرة يمكن، دون شك، أن يُفشل حركتها ويبدد قدرتها على جمع الأموال، وكلاهما عنصر حاسم لعمل هذه المنظمات. ويعتبر التفكير بهذه القضايا أمراً حاسماً في الحصول على دعم المجتمع والشعبية بين الفلسطينيين.

في هذه الأثناء، تزداد المعوقات أمام المجتمع المدني الفلسطيني نتيجة لتزايد الشقاق بين القطاعين الإسلامي وغير الإسلامي، خاصة حول قضايا المرأة والشباب. يجعل هذا الشقاق من الصعوبة بمكان لمنظمات المجتمع المدني أن توحّد قطاعات مختلفة من المجتمع الفلسطيني حول قضايا الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان.

يمكن لمنظمات المجتمع المدني في مواجهة هذه المآزق إما أن تتخذ مواقف تتماشى مع مهمتها بإدامة النضال لصالح المجتمع وتدفع بالتالي ثمن نشاطاتها، أو أنها تقرر البقاء حيادية وبالتالي تقبل مصيرها وقَدَرها كامتداد لمكونات النظام غير الفاعلة.

هناك حاجة لسلسلة من الحوارات البحثية في أوساط منظمات المجتمع المدني. يتوجب على المجتمع المدني أن تراجع دورها وتحدّده رغم الظروف. يتوجب علينا في نهاية المطاف إيجاد منبر يجمع ممثلين عن المجتمع المدني من غزة والضفة الغربية مع المانحين الأمريكيين والأوروبيين. يتوجب على المجتمع المدني أن يطرح أجندته داخلياً وكذلك إلى المجتمع الدولي، والوصول إلى تفاهم مشترك حول أدواره وواجباته قبل أن يقرر ما يستطيع أو لا يستطيع تحقيقه.

###

* ماهر عيسى ناشط في مجال المجتمع المدني في غزة وخريج في مجال العلوم السياسية. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 1 آذار/مارس 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
جوائز إلياف - سرطاوي
 
 
 
 
 
 
 
سلسلة خاصة
 
 
 
 
 
 
أرشيف المقالات
 
 

 

مقالات أخرى في هذا العدد

دروس من سنوات السادات بقلـم خالد دياب
تقارب واشنطن من سوريا مرحب به ولكنه غير كافٍ بقلـم روحي الأفغاني
تدريب أبنائنا على العدوانيّة بقلـم لاري ديرفنر
أن تكون من أنصار الشرق الأوسط في أمريكا: تجاوز فكرة أن تكون مؤيداً لإسرائيل ومؤيداً لفلسطين بقلـم برادلي بيرستون