القدس – لم يكن الأمر في يوم من الأيام عن التوقيت. مكّن اعتذار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، خطاب جامعة تل أبيب أن يختتم الزيارة بشكل إيجابي. أتت المياه الباردة برودة الجليد من واشنطن فقط بعد أن ظن رئيس الوزراء أنه تمكن وبنجاح من اجتياز العاصفة.
تميّزت الحكومة الحالية بقدرتها على وضع الجولة في خط تصادم مباشر مع بقية العالم. لسوء الحظ أن الحكومة والإعلام يركّزان الاهتمام على العلاقة مع الولايات المتحدة، ويخطئان بشكل كامل حول حقيقة أزمتنا. ليس الأمر عن علاقتنا بواشنطن. حان الوقت للجمهور الإسرائيلي لأن يصحو من سبات الربيع الهادئ والمريح. الصيف الحار قادم، ومعه الكارثة.
تحتاج الدولة لأن تختار، وليس هناك مهرب من اتخاذ قرارات صعبة. الساعة تدق، وسرعان ما يُتخذ القرار نيابة عنا إذا لم نقرر بأنفسنا. لقد قارَب "الوضع الحالي" والشعور بأن الأمور تأخذ مجرى عادياً، والشعور بالأمن الشخصي، والوهم بأن باستطاعتنا الحفاظ على المناطق وصنع السلام مع جيراننا، قارب على الانتهاء.
تضاعف عدد السكان اليهود الذين يعيشون وراء الخط الأخضر، منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 بواقع 300%. نحن مستمرون، حتى بينما يكرر نتنياهو شعار "دولتان لشعبين" في بناء المزيد من الوحدات السكنية وراء الخط الأخضر. ليس ما يسمى "تجميد أعمال البناء" أكثر من ممارسة من الهذيان الذاتي. الواقع ثنائي القومية عبر الخط الأخضر ظاهر لأي شخص يعبر ذلك الخط.
تبقى القيادة الفلسطينية ملتزمة بحزم بحل الدولتين، ولكنها تعلم هي أيضاً بأن احتمالات التقسيم بناء على الخط الأخضر تتضاءل بسرعة. نعم، أثبت الانفصال عن غزة أنه بالإمكان نقل المستوطنات. إلا أن إسرائيل متجذّرة بعمق عبر الخط الأخضر لدرجة أن رؤية السلام المبني على دولة فلسطينية مستقلة على هذه الأراضي تبدو مستحيلة ظاهرياً.
لقد اتخذت الدولة على ما يبدو قرارها: إنها تفضل الأرض على السلام. نحن نضع بأيدينا نهاية المؤسسة الصهيونية. لا يمكن لشعب يحتل شعباً آخر وينكر له حقه في تقرير المصير والتحرير والحرية أن يكون شعباً حراً في أرضه.
أخذ الفلسطيني العادي، بل والمفكرون منه كذلك بالإعراب عن فهم جديد: لم تعد هناك فرصة لإنشاء دولة مستقلة في الضفة الغربية وغزة عاصمتها القدس الشرقية. هناك إستراتيجية جديدة بدأت تتطور ويتوجب على الإسرائيليين أن يقلقوا عما ستعنيه هذه الإستراتيجية بالنسبة لهم.
ستكون المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية ما يعرّف الآن بـ "انتفاضة بيضاء". وهذه هي إستراتيجية العصيان المدني العام ورفض التعاون مع الاحتلال. ترتكز هذه السياسة على الموافقة اللاعنفية مع سلطات الاحتلال. لقد رأينا دلائل على ذلك في بلعين ونعلين وبدرس ومسارة وغيرها من الأماكن التي ما زالت غير شائعة في الوعي الإسرائيلي. تقوم السلطة الفلسطينية وبنشاط بمقاطعة منتجات المستوطنات وسرعان ما تشجّع العمال الفلسطينيين على التوقف عن العمل في المستوطنات.
يكمن التحدي في الالتزام باللاعنف وبتوضيح رسالتهم وتحديدها. سوف يكون الهدف السياسي للنضال إعطاء حل الدولتين فرصة أخيرة. سوف يسعى الفلسطينيون للحصول على الدعم العالمي بينما يرتقون إلى المستوى الأخلاقي الأعلى. سوف يرى العالم صور جنود "جيش الدفاع الإسرائيلي" يطلقون النار على جماهير غير مسلّحة تضم نساءاً وأطفالاً في نقاط المواجهة على الحواجز ونقاط التفتيش وحول المستوطنات.
سوف يصمم الفلسطينيون أعمالاً رمزية تمثّل إزالة الحواجز والبناء في المنطقة (ج) التي تسيطر عليها إسرائيل، وإنشاء الحواجز المؤدية إلى المستوطنات لإيقاف السائقين الإسرائيليين والتدقيق بأوراقهم، وأكثر من ذلك. سوف يجري اعتقال الآلاف، وإطلاق النار عليهم مما يؤدي على الأرجح إلى وقوع قتلى. سوف ينتج عن كل استخدام للقوة ضد التحدي الفلسطيني دعماً متزايداً حول العالم واستمرار التراجع السريع للدعم لإسرائيل.
وإذا فشلت إستراتيجية المواجهة اللاعنفية، وإذا كان الثمن غالياً، وإذا تحولت إلى العنف لا سمح الله، فسوف تستغني الحركة الوطنية الفلسطينية عن إستراتيجية السعي لدولة مستقلة وسوف تطالب علناً بديمقراطية كاملة داخل إسرائيل: صوت واحد لكل شخص. سوف يتم في نهاية المطاف اعتناق هذه الإستراتيجية من قبل المجتمع الدولي بينما تتنامى عملية خلع الشرعية عن إسرائيل.
هذه السنة شارك أربعون حرم جامعة حول العالم في حملة "أسبوع أبارثايد إسرائيل". قد يصل العدد السنة القادمة إلى 400 جامعة أو أكثر. وعندما يتبنى الفلسطينيون سياسة "الديمقراطية" كحلّ لهم، فلن يخسروا. سوف تكون القضية مجرد قضية وقت قبل أن يعامل العالم إسرائيل مثلما عامَل آخر حكومة بيضاء في جنوب إفريقيا.
لم يفهم معظم العالم. وبالتأكيد جميع العالم العربي في الواقع أن دولة إسرائيل هي دولة أمة للشعب اليهودي. ينظر معظم العالم إلى اليهود على أنهم ديانة وليس شعباً. سوف يجري اعتناق واحتضان الفرصة لدعم الحل "الديمقراطي" للنزاع بشكل دافئ، وسوف يتم دعمها لأنها منطقية أكثر من التقسيم الذي لا يعطي الفلسطينيين سوى 22 بالمائة من فلسطين التاريخية.
سوف تخسر إسرائيل المعركة. لم تعد هناك طريقة لمنع الفلسطينيين من أن يصبحوا شعباً حراً في وطنهم. الطريق الوحيد لضمان أن يبقى الشعب اليهودي حراً في أرضنا هو من خلال اتخاذ القرار بإنهاء احتلال الشعب الفلسطيني. يجب إيقاف جميع أعمال بناء المستوطنات الآن، ليس بسبب علاقتنا مع الولايات المتحدة بل لأننا لا يمكن أن ندعم السلام حتى نفعل ذلك. إذا أردنا الاستمرار بالبناء في تلك المناطق التي سيتم إلحاقها بإسرائيل في نهاية المطاف، يتوجب علينا أولاً التفاوض على حدود متفق عليها وتبادلات في الأراضي.
أصبحت أيام التصرف من طرف واحد معدودة. لن تستطيع إسرائيل ضم أكثر من 3% من الضفة الغربية، والتي ستستقبل 80% من المستوطنين. ببساطة، لا يوجد أكثر من ذلك في تبادل متساوٍ للأراضي. يجب أن تصبح إسرائيل عاصمة مشتركة، وإذا لم نتشارك بها فسوف نفقدها بالتأكيد كعاصمة أبدية للشعب اليهودي.
واقع الحاجة لتغيير فوري للمسار غير غامضة لدرجة أنه في غيابها سوف ينتهي بالتأكيد وجودنا كدولة يهودية وديمقراطية.
###
* غيرشون باسكن هو الرئيس التنفيذي المشارك لمركز إسرائيل/فلسطين للبحوث والمعلومات (www.ipcri.org) وعضو منتخب في قيادة حزب الحركة الخضراء السياسي.ٍ تقوم خدمة الأرضية المشتركة بتوزيع هذا المقال بإذن من الجيروساليم بوست.
مصدر المقال: الجيروساليم بوست، 16 آذار/مارس 2010
www.jpost.com
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.