وضع حقوق الأقليات في مضمونها

بقلـم أصغر علي إنجنير
طباعة
بريد إلكتروني
مومباي، الهند – تشكّل الممارسات التي تفرّق ضد الأقليات الدينية في الدول ذات الغالبية المسلمة قضية مستمرة. لا يستطيع غير المسلمين في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال إنشاء أماكن عبادة أو إحضار كتبهم الدينية إلى داخل المملكة دون أن تتعرض للمصادرة من قبل سلطات الجمارك السعودية. وفي بعض الدول الغالبية المسلمة يجري التمييز ضد المسيحيين والهندوس ومهاجمتهم بشكل عشوائي.

لا تعكس هذه الممارسات الحقوق التي يجب أن تكون لغير المسلمين في الدول التي يشكل فيها المسلمون غالبية السكان. وتشكّل ضرورة أن يعامل المسلمون الأقليات بينهم بعدل قضية أعطيت أهمية كبرى منذ الأيام الأولى للإسلام في مفهومين إسلاميين هما الذمة والجزية، جرت ممارستهما بشكل واسع حتى فترة وجيزة نسبياً.

يشير تعبير "الذمة" تاريخياً إلى فرد أو مجموعة يكون المسلمون فيها مسؤولين عن أمنهم أو سلامتهم. اعتُبِر المسيحيون واليهود والزرادشتيون وغيرهم من الأقليات الدينية على سبيل المثال أهل ذمة. وبما أنه يتوجب على المسلمين دفع صدقة إسلامية إلزامية لا يدفعها أهل الذمة كونهم غير مسلمين، يتوجب على هؤلاء إذن دفع الجزية بدلاً منها، وهي ضريبة تعويض مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية ومن أجل حمايتهم. إلا أن هذه الممارسة لم تعد قائمة في أية دولة مسلمة.

لنتذكر أن مفاهيم الذمة والجزية هي مفاهيم قرينية بطبيعتها، أي أنها تتوقف على حدود قرينة، ومن المفهوم أنها لم تعد، مثلها مثل مفهوم العبودية، تناسب المضمون الحضاري. ورغم أن القرآن الكريم شجّع إعتاق العبيد، وأعطى قيمة أخلاقية عالية لهذه العملية، إلا أنه لم يمنع الاحتفاظ بالعبيد بشكل كامل. إلا أنه لا يوجد مسلم اليوم يمارس هذه العملية أو يدعم ممارستها.

بالنسبة للفترة التي جرت فيها ممارسة مفاهيم أهل الذمة والجزية، وهي مفاهيم لم يجرِ حتى ذكرها في القرآن الكريم، كانت هذه المفاهيم تعتبر تقدمية إلى درجة بعيدة، ولكنها أصبحت غير سارية المفعول في عالم اليوم.

إضافة إلى ذلك لم يكن هناك مفهوم الدولة الديمقراطية أو المواطَنة كما نفهمها اليوم. وفّر القرآن الكريم قوانين للتشكيل الأولي للمجتمع، ترتكز على مفاهيم مماثلة، ولكنها كانت، وهذا لا يدعو إلى الدهشة، ترتكز على المبادئ الدينية، يهودية أكانت أو مسيحية أو إسلامية. بدلاً من انتقاء هذه المفاهيم من خلال تطبيق معايير الديمقراطية والمواطَنة الحديثة عليها، يتوجب علينا أن ندرك أنه كانت لها أوقاتها ومكانها.

يجب استبدال مفاهيم "أهل الذمة" و"الجزية" في عالمنا اليوم بالمواطَنة المتساوية والنظام الضريبي المتساوي للجميع. لقد تم استبدال مفهوم "التابع" أو "أحد الرعايا" بمفهوم الوطن. كذلك لا يسمح القانون الدولي بالتمييز ضد الأقليات الدينية، حيث أن جميع الشعوب ملتزمة بموجب شرعة الإعلان عن حقوق الإنسان للأمم المتحدة، التي تمنع ممارسات كهذه.

أراد الله تعالى دائماً أن تتعايش مجتمعات متعددة الديانات معاً بسلام، حيث يقول القرآن الكريم: "ولو شاء الله لجعلناكم أمة واحدة ليبلوكم في ما أتتكم ما ستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (48:5). إضافة إلى ذلك فإن حرية الضمير ("لا إكراه في الدين" 256:2) والعدالة هي مبادئ هامة يجب على كل مسلم أن يجعلها أساساً لأعماله تجاه أتباع الديانات الأخرى، والتي يجب أن تمد السياسات العامة بالمعرفة في الدول ذات الغالبية الإسلامية.

لذا يتوجب على فقهاء المسلمين في هذه الدول المسلمة حيث تتعرض الأقليات لممارسات تمييزية، الذين يقدمون المشورة في القضايا السياسية والقانونية أن يتذكروا هذه المبادئ وأن يشجعوا المعاملة العادلة المتساوية لكل من الغالبيات والأقليات. يتوجب على أي فقيه يناقش في تطبيق القوانين أو الضرائب التي تميّز بناء على الدين أن يحاول أن يتجاوب بأسلوب مبدع مع التغيرات الذي تحصل حولنا.

يجب ألا يستمر التمييز على أساس الدين في عالم اليوم. وحتى يتسنى ضمان ذلك، يتوجب علينا تشجيع وحماية حقوق بعضنا بعضاً. يتوجب على الغالبيات الدينية ضمان عدم إلحاق الظلم بالأقليات. ويتوجب على الأقليات بدورها أن تنخرط مع الغالبيات في مجتمعاتها لتحقيق التغيير الإيجابي وضمان العدالة.

###

* أصغر علي إنجنير عالم مسلم من الهند يعمل في مجال التفاهم والسلام بين الأديان، وقد حصل عام 2004 على جائزة "مصادر الرزق الصحيحة" (Right Livelihood) في السويد. هذا المقال جزء من سلسلة حول القانون الإسلامي والأقليات غير المسلمة. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 28 أيار/مايو 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"لا تجد دائماًمصدراً يوفّر الإتزان ويشجع على التسوية والتعايش والتفاهم في الشرق الأوسط خدمة Common Ground الإخبارية توفرها جميعاًوباستمرار وفوق ذلك كله توفر هذه الخدمة العنصر الأهم رغم كونه غير ملموس: الأمل بمستقبل أفضل لجميع شعوب الشرق الأوسط."

- زياد عسلي، رئيس مجموعة العمل الأميركية من أجل فلسطين
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
إسعوا للروح الإسلامية، لا للدولة، يقول العلماء المسلمون
ليس الأمر بهذا السوء بالنسبة لغير المسلمين في المغرب
الشريعة في صالح حقوق الأقليات في مصر
قوانين التكفير الباكستانية تحتاج للإصلاح
هل المصريون مستعدون للمساواة في الحقوق بالرغم من الدين؟
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

إسعوا للروح الإسلامية، لا للدولة، يقول العلماء المسلمون بقلـم إيزابيل دانا
ليس الأمر بهذا السوء بالنسبة لغير المسلمين في المغرب بقلـم محسن الأحمدي
الشريعة في صالح حقوق الأقليات في مصر بقلـم سارة خورشيد
قوانين التكفير الباكستانية تحتاج للإصلاح بقلـم هوما يوسف
هل المصريون مستعدون للمساواة في الحقوق بالرغم من الدين؟ بقلـم ياسر خليل