القدس التي أحبها

بقلـم كارول دانيال كسبري
طباعة
بريد إلكتروني
القدس – جعلتني القدس ما أنا عليه اليوم. قضيت نصف حياتي هنا. ثماني عشرة سنة من البحث ومحاولات الانتماء التي ما زالت دون نجاح.

ولدت في الناصرة في أسرة فلسطينية. نادراً ما سمعت أحداً يذكر مدينة القدس، وكان معظمنا يظن أنها على كوكب آخر. سمعت عن القدس للمرة الأولى عندما أخبرنا أبي أنه نشأ في ميتم مسيحي في المدينة بعد وفاة والديه. إنها قصة صعبة ومحزنة جداً، ولكن تلك كانت أول مناسبة أسمع فيها سرداً فلسطينياً عن الحياة في القدس. كانت القدس التي عاش فيها أبي مختلفة جداً عن قدسي.

دهشت عندما وصلت إلى القدس كطالبة، من غناها بالجنسيات المختلفة واللغات والأديان والثقافات المتنوعة. لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن التنوع البشري في القدس كان يشكل عبئاً على سكانها، وليس مورداً ثميناً كما هو الحال في العديد من دول العالم الأخرى. واجهت في القدس مفهوم الهوية للمرة الأولى. أدركت كم هي معقدة هويتي: فلسطينية من الشمال، مسيحية عربية تحمل بطاقة هوية إسرائيلية، شقراء زرقاء العينين، كان من الصعب جداً على الناس أن يضعوني في زمرة معينة. كانوا يعتبرونني دائماً غريبة. أدركت أنه يمكن لذلك أن يشكل مصدراً قويأ، ولكن في الوقت نفسه، أصبح من الواضح أن الانتماء بمعناه الكامل لم يكن من خياراتي. أصبحت أرى دوري على أنه إثارة وعي الناس باحتياجات الآخر وصفاته الجيدة وحدود إمكاناته. أخذ العديد من الإسرائيليين والفلسطينيين الذين عملت معهم يسمونني "بانية الجسور". شعرت باندفاع نحو إعطاء أصوات للأطراف المتنازعة ليصلوا إلى مكان يمكن منه سماعهم وفهمهم من قبل الآخرين.

القدس تغنيني وتشغلني وتزعجني وتسليني وتحبطبني بعمق. سوف ترى طيف ابتسامة على وجهي في كل مرة أستذكر فيها دراستي في الجامعة العبرية. هذا ما تبقى من سذاجة ابنة الثمانية عشر عاماً، التي تركت منزلها في مدينتها للمرة الأولى. ظنت وقتها أن كل إنسان في القدس ينظر إلى تجربة التنوع بنفس الأسلوب مثلي، فيعتنقها ويقبلها ويتعلم منها. يا له من وهم. أشتاق كثيراً إلى هذا الشعور.

أقمت على جانبي المدينة، وكنت محظوظة للقاء عقول وقلوب عظيمة والعيش والعمل معها: أناس علموني معنى الحوار والإصغاء لقصص مؤلمة، وقبول سرد يتعارض مع سردي. قضيت وقتاً عظيماً كطالبة أكتشف الحياة المتنوعة في "القدس الموحّدة"، مهرجانات وبارات ومطاعم وأيام الدراسة. كنت أستطيع الذهاب إلى أي مكان أريده، ولكن لا ينتقل الجميع حول المدينة مثلي. نادراً ما يعبر معظم اليهودي إلى الأحياء الفلسطينية.

دهشت وما زلت أدهش من حقيقة أن معظم سكان المدينة الإسرائيليين يعتقدون أن المدينة موحّدة، وهم نادراً ما يعلمون أسماء الأحياء الفلسطينية، ونادراً ما يتواصلون مع "الآخر"، إن حصل ذلك بالمرة، من الذين يعيشون على بعد أمتار قليلة منهم. وقد شهدت هذا الجهل بشكل أشد وأعمق عندما انتقلت لأسكن في الأجزاء الفلسطينية من المدينة. شعرت أن الأمر يشبه العيش في جزيرة لا توجد فيها خدمات عامة، ولكنني في الوقت نفسه مضطرة لإتباع أنظمة تعسفية تمييزية حرفياً حتى لا أفقد حق إقامة زوجي معي هنا. مثلي مثل جميع العرب الآخرين سكان هذه المدينة، والذين لا يحملون بطاقات هوية، يعيش زوجي تحت تهديد سحب بطاقة إقامته إذا ترك المدينة لفترة معينة من الوقت أو تقاعس ولو لفترة وجيزة عن دفع الضرائب.

واقع الحياة في القدس هذه الأيام واقع محزن. يعيش الناس في حالة إنكار لوجود وشرعية بعضهم بعضاً. تعمينا العنصرية عن رؤية بعضنا بعضاً. أستطيع التعرف على المنطق العنصري وراء تعابير أطفالي عندما يرون جندياً إسرائيلياً في المدينة القديمة، أو عندما نمر بالقرب من جدار الفصل في ضاحية بيت حنينا. أتمنى لو أنهم بقوا ساذجين. لم تتجاوز أعمارهم الخامسة والتاسعة. أين أخطأت؟ لديهم أم عملت مع الجانبين، تتكلم العبرية والعربية بطلاقة وتؤمن أن هذا المكان يتسع للجميع. حاولت وبشكل منهجي أن أدخل سرد الطرفين إلى تعليم أطفالي وحياتهم، ولكن للأطفال أسلوبهم الفريد في فهم الواقع.
تفتح هذه المدينة قلبي ثم تغلقه. تجعلني أشعر بالقوة والقدرة، وبتقدم العمر. علمتني أن أكون واعية ومنتبهة لمحيطي في جميع الاوقات. توجد إنسانيّة في قلب هذه المدينة. السكان هم أناس جيدون ولكن للأسف ليس لبعضهم البعض. السكان لا يعون بأن هؤلاء على الطرف الآخر يريدون بالضبط ما يرودونه لأنفسهم: أن يبقوا ويعيشوا حياة محترمة. ما زلت أومن أنه من خلال الإصرار بخطوات صغيرة على التوجه إلى "الآخر" وقبول وجوده وتقبّل سرده، فإن إنسانية هذه المدينة سوف تبقى وتسيطر. أريد أن أومن بذلك لأنه الأسلوب الوحيد لإنقاذ القدس.

###

* كارول دانيال كسبري مديرة مشروع "تشجيع ودعم صحافة "الأرضية المشتركة في الاعلام المكتوب، المرئي والمذاع في إسرائيل والضفة الغربية وغزة" في منظمة البحث عن أرضية مشتركة، وقد شاركَت في عمليات التوسط في النزاع منذ العام 1994 وقامت بتأسيس ملتقى الإعلام الفلسطيني الإسرائيلي في القدس. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية وهو جزء من سلسلة خاصة عن القدس.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 28 حزيران/يونيو 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
نظام خاص للقدس
القدس التي أحب
لنعمل على إعداد القدس للسلام من الآن
لماذا القدس؟ سياسة الشعر
قدسنا
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

نظام خاص للقدس بقلـم جون بيل، مايكل بيل، مايك ج. مالوي، توم نجم
القدس التي أحب بقلـم نيتا شيخيت
لنعمل على إعداد القدس للسلام من الآن بقلـم حجاي أچمون-سنير
لماذا القدس؟ سياسة الشعر بقلـم سيدرا إزراحي
قدسنا بقلـم حنا سنيورة