القدس التي أحب

بقلـم نيتا شيخيت
طباعة
بريد إلكتروني
القدس – "وماذا الآن" يتساءل السطر الأخير في قصيدة ليا غولدبرغ حول القدس الإلهية والقدس الدنيوية. يعرف هؤلاء منا في القدس الدنيوية أن الشرخ الثنائي لا يمثل حياتنا، وأن هناك أكثر بكثير من مجرد قدسين بين السماء والأرض وبين الشرق والغرب في العاصمة المعاصرة.

تشكّل القدس التي أعيش فيها بشكل لا مناص منه انعكاساً لوضعي كإسرائيلية يهودية، امرأة أمريكية المولد عاشت في إسرائيل لمدة تقارب الأربعين عاماً. يضعني تدريس التحليل اللغوي وتعليم السلام وروايات شكسبير في كلية ديفيد يلين للتربية في القدس، داخل صورة مصغرة للقدس: كلية تضم طلبة ومحاضرين علمانيين ومتدينين، فلسطينيين وإسرائيليين.

توفر إسرائيل هويتين جغرافيتين كدولة من حوض البحر الأبيض المتوسط ودولة شرق أوسيطة، تل أبيب هي عاصمتها في حوض البحر الأبيض المتوسط والقدس عاصمتها الشرق أوسطية، التي لا تبعد عن العاصمة الأولى أكثر من مسافة ساعة بالسيارة. أعتقد أن بداية الجواب لسؤال ليا غولدبرغ يكمن في ذلك الاعتراض. تعقيد القدس واقع أعتنقه باختياري.

يعتبر العيش في إسرائيل بالنسبة لي، بل العيش في القدس بصورة أكبر، تعبيرً عن الأمل المتطرف، وهو تعبير استنبطه جوناثان لير الفيلسوف والمحلل النفسي، لإعطاء مفهوم لطريق إلى الأمام للمجتمعات التي تواجه دمار ثقافتها وأسلوب حياتها. هذا "الأمل" حسب لير، لا يرتكز على أية رؤية معينة للمستقبل، وإنما هو في الواقع عملاً شجاعاً وتخيلاً يرى مستقبلاً جيداً رغم افتقاره للمفاهيم المناسبة التي يمكن فهمه من خلالها. بالنسبة لي كانت إحدى اللحظات التي سُمِع صداها بعيداً، والتي أشارت إلى أن "المستقبل الجيد" كان كما ثبت مؤخراً بقيادة إسرائيليين يهوداً وعرباً شباباً يهتفون بالعبرية والعربية بأن "العرب واليهود يرفضون أن يكونوا أعداءً". قد يكون هذا سبيل جديد يمكن إتباعه للخروج من جمود الضحية/المتسبب في مجتمعاتنا ما بعد الصدمة.

تضم القدس التي أحب تعليم شكسبير بالعبرية لطلبة يقرأون الروايات بالعبرية والعربية والروسية. يبحث طلبتي وهم من الإسرائيليين الأصليين العرب واليهود وأبناء مهاجرين جدد من روسيا وأثيوبيا مستخدمين النص الأصلي بالإنجليزية وأفلام مختلفة من، على سبيل المثال، تاجر البندقية، وتمثيل اليهودي في المسرحية وما إذا كانت معارضته للسامية. يحتوي تدريسي في الكلية كذلك على حلقة دراسية في تحليل السرد وتعليم السلام، حيث يبحث الطلبة موضوعاً يختارونه يتعلق بتركيز الحلقة الدراسية. يقوم طالب إسرائيلي يهودي على سبيل المثال ببحث تعليم السلام على مستوى الكلية، بينما تقوم زميلة فلسطينية إسرائيلية بدراسة برامج التبادل بين قريتها المسلمة في الجليل ومدرسة يهودية في إيلات.

وفي دورة مختلفة حول الكتابة الأكاديمية، يقوم أحد طلبتي ببحث أصول الزجل الفلسطيني، ويكتب آخر عن التشبيه الزراعي في الأدب اليهودي. شغلتهم عروض عملهم المستمر ببحوث بعضهم بعضاً بأسلوب أدهشهم، في تبادل ثقافي في الموسيقى والفن اللذين ولّدا أكثر كثيراً من ساعة حديث لكل من الطلبة المتقدمين وزملائهم وبالطبع بالنسبة لي.

توفّر القدس هذه الاحتمالات للعيش متعدد الثقافات. ليس الأمر آلياً بالطبع، وليس فقط مجرد نتيجة لعنوان الشخص. ليس مستحيلاً العيش في القدس ذات السكان المختلطين مثلما يعيش المرء في تل أبيب اليهودية بشكل كامل تقريباً. تقدم القدس "الهجينة" فرقاً محتملاً يستطيع المرء اختياره. بالنسبة لي فإن هبة القدس هي في الاحتمالات العملية لحياة مشتركة إلى حد ما، ليس كجزء من مشروع تعايش وإنما كدالة لحياتي اليومية.

وكمثال نهائي لتلك الهبة اليومية سأذكر باختصار "مجموعة حوار وعمل" شاركت بها لمدة سنتين، بادر بها محاضران في كلية ديفيد يلين أثناء الأسابيع الأولى للانتفاضة الثانية في تشرين الأول/أكتوبر 2000. ركزت المجموعة في البداية على الحفاظ على أهداف أكاديمية مع البقاء متجاوبين مع الطلبة أثناء تلك الأيام القابلة للانفجار بشكل خاص إلا أن الأحداث أدت بنا كذلك إلى حوار شخصي شديد وتبادل معمق. تستمر الصداقات المبنية على الثقة والعلاقات في الجامعة التي تشكلت في نار تلك الأيام بقيادة وتشكيل الكلية اليوم في التعاون المستمر للمشاركين، بعد عدة سنوات من النهاية الرسمية لعمل المجموعة.

قد لا تبدو هتافات المتظاهرين وأوراق الحلقات الدراسية في الكلية أساساً قوياً. ولكن هذه هي القدس التي أعيش فيها اليوم، التي ينيرها الضوء القوي لأمل جوناثان لير المتطرف بمستقبل أفضل.

###

* الدكتورة نيتا شيخيت محاضرة بكلية ديفيد يلين للتربية في القدس. وهي مؤلفة لكتاب صدر حديثاً عنوانه: "ألا نسحر أنفسنا: طرح الثأر والتسوية في إسرائيل العصرية". يمكن الحصول على قصيدة ليا غولدبرغ في "قصائد ودراما مختارة" ترجمة راشيل تزيفا باك. أُخِذ مفهوم" الأمل المتطرف من جوناثان لير "الأمل المتطرف: الأخلاقيات في وجه الدمار الثقافي". كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية وهو جزء من سلسلة حول القدس.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 28 حزيران/يونيو 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"توفّر مقالات خدمة Common Ground الإخباريّة للشرق الأوسط الأمل بأن هناك أناسا يعملون على حلول تلهمها الحاجة إلى التعايش بتسامح وبأمل بمستقبل أفضل."

- كريستوفر باتن، مفتش العلاقات الخارجيّة السابق في الهيئة الأوروبيّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
نظام خاص للقدس
القدس التي أحبها
لنعمل على إعداد القدس للسلام من الآن
لماذا القدس؟ سياسة الشعر
قدسنا
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

نظام خاص للقدس بقلـم جون بيل، مايكل بيل، مايك ج. مالوي، توم نجم
القدس التي أحبها بقلـم كارول دانيال كسبري
لنعمل على إعداد القدس للسلام من الآن بقلـم حجاي أچمون-سنير
لماذا القدس؟ سياسة الشعر بقلـم سيدرا إزراحي
قدسنا بقلـم حنا سنيورة