حماس: جدل لا ينتهي حول السلام محمود جرابعة

بقلـم محمود جرابعة
طباعة
بريد إلكتروني
إرلنجن، ألمانيا: شكّلت حركة حماس وعلى الدوام لاعباً جدلياً في الصراع العربي الإسرائيلي. وقد عرضت الحركة، ذات الجذور الأيديولوجية الدينية إلى حد كبير، حججاً متزايدة لدعم مواقفها البراغماتية وتأييدها لإيجاد حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي على نحو متزايد.

رسم ميثاق حماس (خُطّ في آب/أغسطس 1988) جوهر إستراتيجية الحركة بتركيزه على أراضي فلسطين التاريخية (أي قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1948) واعتبار "أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة" (المادة الحادية عشرة)، بالإضافة إلى رفض المبادرات السلمية لحل القضية الفلسطينية (المادة الثالثة عشر) وتبنّي الجهاد كإستراتيجية أساسية. ويصوّر واضعو ميثاق حماس الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أنه "حرب مقدّسة" بين المسلمين واليهود (المقدّمة، المواد 1 و31 و34 و35). وهم يؤكّدون على أن القضية الفلسطينية قضية دينية، ويجب بالتالي التعامل معها على هذا الأساس (المادة 15)، وهو ما قيّد ضبط تحركات حماس السياسية فيما بعد، لا سيما تجاه الحل السلمي للصراع العربي الإسرائيلي.

في المقابل، وبالمقارنة مع ما ورد في ميثاق الحركة، والذي يصوّر حماس على أنها ذات طبيعة والتزام ديني لا يتغير، تظهر ممارسات حماس السياسية خلال الفترة الأخيرة، وبالتحديد بعد فوز الحركة في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/يناير 2006 ودمجها في النظام السياسي الفلسطيني، براجماتية سياسية والتصاقاً بالبعد الوطني للصراع العربي الإسرائيلي. في هذه الفترة، أصبحت حماس أكثر وطنية وأقل اهتماما بوضع الصراع ضمن قواعد دينية، وقد جاء هذا التحول نتيجة لعاملين اثنين: ارتقاء حماس إلى القيادة السياسية مع ما صحبها من تغيير في مواقف الرأي العام الفلسطيني بشكل عام و"الحمساوي" بشكل خاص فيما يتعلّق بالسلام مع الإسرائيليين.

وافقت حماس بعد وقت قصير من فوزها في الانتخابات التشريعية في وثيقة الوفاق الوطني (اتفاقية بين الفصائل الفلسطينية وقعت في حزيران/يونيو 2006) على القبول بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 وحصر المقاومة داخل هذا الإطار، بالإضافة إلى ربط الصراع العربي الإسرائيلي بالاحتلال والاستيطان وسعي الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه وإقامة دولته المستقلة. كما منحت الوثيقة شبكة أمان ودعم واسعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

ربما لم تكن هذه الوثيقة بذات الأهمية سياسياً لو كانت حماس خارج أطر النظام السياسي الفلسطيني. لكن اضطلاع حماس آنذاك بدور قيادي في السلطة الفلسطينية، وتربّعها على رأس الحكومة الفلسطينية العاشرة، وسيطرتها على غالبية مقاعد المؤسسة التشريعية الفلسطينية و تمتعها بتأييد شعبي واسع لم يسبق أن حظيت به، لعب دوراً كبيراً في تحفيز تحرّك حماس نحو البراغماتية من جانب وشكّل تحولاً استراتيجياً في مواقفها السياسية وسلوكها تجاه "فلسطنة" الصراع مقارنة مع ورد في ميثاقها من جهة أخرى. كما أن من العوامل التي شجّعت على هذا التحول إدراك قيادة حماس للتغيّرات العميقة ليس فقط في الرأي العام العالمي وإنما كذلك في الرأي العام الفلسطيني وبين أنصار حماس تجاه رغبة بحل النزاع العربي الإسرائيلي سلميّاً.

أما دور أنصار حماس في تشجيع هذا التحول فيجب عدم الاستخفاف به. لقد تمتعت حماس عند توقيع الوثيقة المذكورة بدعم شعبي واسع لم يسبق له مثيل، فقد أظهر استطلاع للرأي العام في الضفة الغربية وقطاع غزة أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/يونيو 2006 أن غالبية أنصار حماس (57%) قالوا أنهم يساندون عملية السلام (مقارنة بـِ 77% من أنصار فتح).

إضافة إلى ذلك، وبعد أقل من ثلاثة شهور (آذار/مارس 2006) من نصر حماس الانتخابي، وافقت غالبية كبيرة من أنصار حماس (60%) على الاقتراح الذي ينص على اعتراف متبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد التوصّل إلى اتفاق دائم حول جميع قضايا النزاع (مقارنة بـِ 76% من أنصار فتح). ويظهر ذلك أن رغبة أنصار حماس بالسلام مباشرة بعد نصر حماس الانتخابي ينبع من دعمهم المتنامي للمشاركة السياسية من ناحية، وتطلّعهم لإنشاء دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967 من ناحية أخرى. إلا أن استطلاعاً آخر أجري في كانون الأول/ديسمبر 2007 بعد انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، وأعمال القمع المتبادلة بين فتح وحماس، وعزل حماس في غزة، وتآكل الثقة في العملية السلمية، كشف أن 30% من أنصار حماس فقط يدعمون الاعتراف المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين (مقارنة بـِ 66% من أنصار فتح).

من الأرجح أن عقيدة مساندة السلام بين أنصار حماس والقيادة السياسية لعبت دوراً في تحفيز الحركة على الانفتاح على عملية السلام من ناحية، والتعامل مع النزاع مع إسرائيل على أساس وطني من ناحية أخرى.

أين تقف حماس اليوم؟

تجسّد حماس اليوم هذا التحوّل في استراتيجية وطنية شاملة تركّز، مثل حل الدولتين الذي تنادي به منظمة التحرير الفلسطينية، على الأراضي المحتلة عام 1967. من المؤكد أن الحركة لا تزال تلتزم بوثيقة الوفاق الوطني كمرجعية لأي حل مستقبلي للصراع العربي الإسرائيلي. وقد أكّد اسماعيل هنيّة، رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية في غزة على هذه النقطة في مؤتمر عقد مؤخّراً في مدينة غزة، عندما قال إن "حماس سوف تحترم نتائج (استفتاء) بغض النظر عما إذا كان لا يتماشى مع أيديولوجيتها ومبادئها". ويظهر هذا التصريح بقوّة رغبة حماس بوضع حد للنزاع العربي الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تفكيك الأسطورة المحيطة بحزب ديني غير قابل للتغيّر. من الواضح أن حماس تصغي لرغبة أتباعها، الأمر الذي يتمخّض عنه تغيير مثير في طبيعة الحزب وأجندته السياسية.

###

* محمود جرابعة هو مؤلف: "حماس: مسيرة مبدئية نحو السلام" (رام الله: المركز الفلسطيني للسياسة والمسوح والبحوث، 2010) وهو كذلك طالب دكتوراة في دراسات الشرق الأوسط بجامعة ايرلانغن – نيورنبرغ بألمانيا. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية ضمن سلسلة حول السياسة والتفسير الديني في المضمون العربي الإسرائيلي.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 27 كانون الأول/ديسمبر 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.

عودة إلى الأعلى
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
التعلُّم من ميريام وابنة الفرعون
التفسير الديني والنزاع العربي الإسرائيلي
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

التعلُّم من ميريام وابنة الفرعون بقلـم نعمة كيلمان
التفسير الديني والنزاع العربي الإسرائيلي بقلـم مايكل إم كوهين