التعلُّم من ميريام وابنة الفرعون

بقلـم نعمة كيلمان
طباعة
بريد إلكتروني
القدس – عندما خاطب الرئيس باراك أوباما العالم المسلم من القاهرة في حزيران/يونيو 2009، تكلّم من أعمق الأماكن وأكثرها كونيّة للديانات التوحيدية الثلاث. وإذا ترجمنا حديثه إلى اللغة العبرية التوراتية، كان أوباما عملياً يستشهد بالأيات الأولى من سفر التكوين الذي نكتشف فيه واحدة من أكثر الأفكار تحوّلاً في الدراما البشرية بأكملها، "خلق الله البشر على صورته – ذكوراً وإناثاً، الله خلقهم!". تشكل هذه التعاليم الدينية المشتركة أساس علاقاتنا التوحيدية وجوهر عمل السلام والتسوية.

هناك تحديان رئيسيان في مجال صنع السلام الديني، تشاؤم واسع تجاه التأثير الإيجابي الكامن للدين، وتكميم التأثير الأنثوي داخل الشؤون الدينية والسياسية. تستمر السلطة الأبوية في هذا الجزء من العالم بالحكم، بينما تعاني النساء من وضعهن الثانوي في كافة قضايا الأحوال المدنية (الزواج، الطلاق ... الخ)، وتواجه هؤلاء النساء اللواتي يرغبن بتشجيع المساواة والعدالة، خاصة من خلال التقاليد الدينية، مسار مقاومة شديد الانحدار بل وحتى القمع الواضح. رغم ذلك، كانت الأنثوية الدينية عملية تطورية وثورية في الوقت نفسه حول العالم. أومن بعمق أن الأمر نفسه يمكن أن ينسحب على دفع عجلة العيش المشترك والسلام. فنفس القوى التي تعمل بتؤدة وبشكل منتظم على تحرير المرأة هي التي تستطيع أن تدفعنا نحو حل عادل في هذه المنطقة.

إحدى الشخصيات الأوائل اللواتي تعتنق سيرتهن العديد من النساء اليهوديات كمثال كبير يحتذى به هي ميريام في كتاب الخروج. تكرّس ميريام، التي تصوَّر أحياناً قرب الماء في السرد التوراتي، عندما ترعى أخيها موسى أو عندما ترقص عبر بحر النباتات المائية أثناء الخروج من مصر، تكّرس نفسها للحرية والإشفاء. ولا يعلم الكثيرون أن أول تجمع "بين الأديان" حدث فعلياً قبل فترة طويلة على نهر النيل عندما لاقت ميريام ابنة الفرعون وقامتا معاً بإنقاذ الطفل موسى من قرار القتل. تجد الأميرة المصرية والأمة اليهودية التي قُدِّر لها أن تقود شعبها، وهما تتحديان مصيرهما والسلطة الأبوية معاً، تجدان الأخوّة وتسعيان للعدالة معاً. تختاران التأكيد على الحياة في ظلال الموت والعبودية. لقد تمّت إعادة تجسيد هاتين السيدتين المثاليتين في تقاليدي العتيقة في بداية القرن الحادي والعشرين حيث بدأت النساء حول العالم بالخروج وممارسة العمل الناشط والقيادي.

لن أحاول إخفاء حقيقة أن هناك في تقاليدي الدينية نصوص مقدسة وتفسيرات لاحقة تضرّ في أفضل الحالات بالآخر، وهي في أسوأ الحالات خطيرة. تستخدم أقلية محدودة ولكنها مؤثّرة هذه النصوص للأهداف الخاطئة، لتكون خلافية وعدائية. هذه الأصوات غير البنّاءة هي السبب وراء تفضيل العديد من ناشطي السلام العلمانيين البقاء بعيداً عن المصادر اليهودية أو اللغة الدينية.

إلا أن اعتقادي الراسخ هو أن قراءة يهودية ديمقراطية لتقاليدنا تستطيع أن تشكّل أساس بناء المجتمعات والمؤسسات في إسرائيل التي تشكل نماذجاً للقيم اليهودية التقدمية مثل التعددية والمساواة والعدالة الاجتماعية وتشجيع التعايش السلمي مع جيراننا. ناشَدَنا الأنبياء التوراتيون القدامى حماية الضعيف ومساعدة العاجز وإشفاء المصاب والانخراط في العالم. ما زالت كلمات النبي إشعيا يرن صداها كالرعد عبر القرون، متساءلة ما إذا كان تقديم الضحايا يجعل منا أتقياء، بينما يجب أن نطعم الجائع ونُلَبِس العريان.

كيف نترجم ذلك على مستوى وطني قومي؟ كيف نستطيع دعم التطلعات الوطنية لكل من اليهود والفلسطينيين دون إضعاف أي من هذين الطموحين؟ كيف يمكننا حماية النساء والأطفال (والرجال كذلك) من فظائع الحرب والإرهاب؟

نجيد نحن في إسرائيل طرح هذه الأسئلة. من المؤكد أن خطوات صغيرة تحتوي على الحوار والمشاركة بين المجتمعات تساعد على ذلك. سوف يحرّكنا كذلك تعليم أطفالنا وطلابنا احترام معاناة الآخرين والإصغاء إليهم لنصبح أقرب إلى بعضنا بعضاً. سوف يحافظ تعليم النصوص والتقاليد التي تقرّبنا من بعضنا بدلاً من أن تفرّقنا، باستخدام الأناشيد والصلوات، من احتمالات الأمل والتجديد حيّة قائمة.

هكذا صمدت البشرية وترعرت رغم الحروب وسفك الدماء. تستطيع النساء، في الخطوط الأمامية الآن، الإتيان بصوت جديد من التجارب المشتركة لكل من المعاناة والبهجة. نستطيع، تماماً مثل ميريام وابنة الفرعون اللتان تشابكت أيديهما وتحدتا السلطة أن نضع شعبينا على طريق الحرية والعدالة.

###

* الحاخام نعمة كيلمان هي أول امرأة رُسّمت حاخاماً في إسرائيل في كلية يونيون العبرية بالقدس، حيث تعمل عميدة، وهي ناشطة في مجال حوار الأديان وقضايا المرأة والحضارة اليهودية الديمقراطية في إسرائيل. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية ضمن سلسلة حول السياسة والتفسير الديني في المضمون العربي الإسرائيلي.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 27 كانون الأول/ديسمبر 2010
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
"قانون التعويض" كنموذج لحل النزاعات
المشاركة وليس العزل، هي أسلوب الوصول إلى حركة حماس معتدلة
التفسير الديني والنزاع العربي الإسرائيلي
حماس: جدل لا ينتهي حول السلام محمود جرابعة
قدرة القدس الكامنة على جمع اليهود والمسلمين معاً
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

"قانون التعويض" كنموذج لحل النزاعات بقلـم بنشاس ليسر
المشاركة وليس العزل، هي أسلوب الوصول إلى حركة حماس معتدلة بقلـم كريستي سويني
التفسير الديني والنزاع العربي الإسرائيلي بقلـم مايكل إم كوهين
حماس: جدل لا ينتهي حول السلام محمود جرابعة بقلـم محمود جرابعة
قدرة القدس الكامنة على جمع اليهود والمسلمين معاً بقلـم عزيز أبو سارة وميراڤ زونسزين