أقباط مصر يوجّهون غضبهم من خلال المشاركة المدنية

بقلـم لينا عطا الله
طباعة
بريد إلكتروني
القاهرة – تجمّع مئات من مسيحيي مصر من الإسكندرية في نيسان/إبريل 2006 لرثاء نوشي جرجس البالغ من العمر 78 عاماً، وهو مسيحي طُعِن حتى الموت في كنيسة القديسين مرقص وبطرس، في واحدة من سلسلة من الهجمات على الكنائس في الإسكندرية في تلك السنة. وبينما توجّهت المظاهرة عبر الشارع وهي تنشد أناشيد دينية، بدأ الناس بإلقاء الحجارة عليهم من الشرفات. تحوّل الوضع فوراً إلى العنف والمواجهة بين المسيحيين والمسلمين.

ما زال التوتر يلوح في الأفق بعد أربع سنوات على تلك الحادثة، رغم أنه غير ظاهر إلى درجة كبيرة. وشهدنا العودة إلى العنف الأسبوع الماضي بتفجير كنيسة القديسين نفسها، ومقتل 22 شخصاً وجرح كثيرين آخرين. يعاني أقباط مصر المسيحيين من الخوف على حياتهم في وطن أصبح عُرضَة للخلاف. ويمكن لموجة العنف الحالية أن تشكّل مفترق طرق لهذه الجالية فيما يتعلق بشعورها بالانخراط السياسي، الذي بقي ساكناً منذ فترة طويلة.

تحاول الحكومة حالياً إنهاء التوتر المتنامي من خلال نشر خطاب من الوحدة الوطنية ووصف العدوان ضد الأقلية المسيحية على أن مصدره الخارجي. وقد أعطت تهديدات تنظيم القاعدة الأخيرة ضد مسيحيي مصر بعض الصدى لهذا الادعاء.

إلا أن هذا الخطاب الذي نظّمته الدولة لا يجد صدى في أوساط الجالية المسيحية، التي أصبحت مشاعر المرارة لديها مسيّسة أكثر فأكثر وبسرعة. ففي خلال اليومين السابقين، خرج المتظاهرون الذين يشجبون الهجمات إلى الشارع، يتحدّثون بسخط ضد نظام مبارك وجهاز أمنه بسبب فشلهم المتواصل في حماية الجالية المسيحية في مصر.

كذلك ينبع غضبهم المتنامي من شعور بأن النظام مسؤول في الواقع عن إذكاء نيران الطائفية. ففي الإسكندرية على سبيل المثال، كانت هناك مؤشرات عديدة على أن الدولة تدعم جماعات سلفية متطرفة معينة تحدثت بشكل عدائي ضد الأقباط على برامج التلفزة الخاصة بها وفي خطبها يوم الجمعة. وقد سمحت لهم الدولة بأن يشكّلوا تنظيمات غير رسمية في بعض مساجد المدينة، ربما كأسلوب لمجابهة العلمانية المتزايدة المعارضة للنظام في هذه المدينة الساحلية.

في الوقت الذي يجب فيه عدم إساءة فهم الغضب القبطي على أنه مؤشّر على عصيان سياسي كامل، فإن عملية الخروج إلى الشارع تؤطر هذا التوتر ضمن عوامل سياسية واضحة. وهذا أمر مثير للاهتمام بشكل خاص إذا أخذنا بعين الاعتبار العملية التي نظمتها الدولة عبر عقود طويلة لتسفيه السياسة في أوساط المواطنين من خلال استمالة مؤسسات دينية، مثل الكنيسة، وإعطائها سلطة كاملة على النواحي الدينية والاجتماعية لحياة المسيحيين المصريين مقابل الدعوة إلى الابتعاد عن السياسة. وقد أدى ذلك بالنتيجة إلى أن تلعب الكنيسة دوراً واسعاً في أوساط الجالية القبطية، مشجّعة أفرادها على التجمّع والانعزال وتوجيه مصادر قلقها نحو السلطات الدينية بدلاً من الزعامة المدنية، الأمر الذي أدّى إلى تراجع الاهتمام بالسياسة عبر الزمن.

يملك الغضب الذي ولّدته الأحداث الأخيرة احتمالات عكس اتجاه عدم الاهتمام السياسي هذا في أوساط أقباط مصر، وقد يؤدي بشكل إيجابي إلى مشاركة مدنية جديدة. وتعتبر حقيقة أن غضبهم موجّه نحو النظام، مقارنة بمواطنيهم، ظاهرة صحية وقد تؤدي إلى تضافر وتضامن أوسع بين المواطنين المصريين من كافة الديانات والعقائد.

لقد حركت هذه الضحايا والأحداث المأساوية آلاف المصريين، بغض النظر عن ديانتهم، لتغيير صور شعارات مواقعهم على الفيسبوك إلى صورة هلال يحتضن الصليب، كرمز للأخوة بين الديانتين. وتناشد مبادرات مختلفة المسلمين إلى مرافقة المسيحيين في احتفالات قداس عيد الميلاد يوم 6 كانون الثاني/يناير لحمايتهم من أي عدوان محتمل.

إلا أن الأسلوب الأكثر حَسماً، الذي يمكن للمسلمين من خلاله إظهار تضامنهم مع المسيحيين هو اتخاذ موقف سياسي ضد تكتيكات النظام المتمثلة بأسلوب "فرِّق تَسُد". ورغم أنه من الصعوبة بمكان تصور أن التوترات الحالية – التي تقع الآن عبر خطوط دينية – سوف تصبح علمانية في أي وقت قريب، إلا أن الأحداث الأخيرة تستطيع أن تعرض على الأقل كيف أن خنق الدولة المتواصل للحريات لا يولّد سوى العصيان. يتوجب على الدولة أن تتخلى عن التكتيكات القديمة حتى يتسنى ترك مساحة للتنازلات. هذه هي لحظة يجب أن يستغلها المسيحيون والمسلمون على حد سواء.

###

* لينا عطاالله هي المحررة المسؤولة للنسخة الإنجليزية من "المصري اليوم" في مصر وتغطّي قضايا الهجرة واللاجئين والنزاعات والأقليات. كُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 7 كانون الثاني/يناير 2011
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"توفّر مقالات خدمة Common Ground الإخباريّة للشرق الأوسط الأمل بأن هناك أناسا يعملون على حلول تلهمها الحاجة إلى التعايش بتسامح وبأمل بمستقبل أفضل."

- كريستوفر باتن، مفتش العلاقات الخارجيّة السابق في الهيئة الأوروبيّة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
حان الوقت لعكس اتجاه التوجهات المثيرة للإزعاج في الباكستان
تصحيح فشل نظام العدالة الجزائية في الباكستان
هناك أكثر مما تراه العين بالنسبة للتسامح أو عدمه في إندونيسيا
يجب أن تكون الجنسية وليس الدين أساس الشمولية في الشرق الأوسط
المسلمون والمسيحيون معاً في مصر جديدة
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

حان الوقت لعكس اتجاه التوجهات المثيرة للإزعاج في الباكستان بقلـم مقتدر خان
تصحيح فشل نظام العدالة الجزائية في الباكستان بقلـم قرة العين صديقي
هناك أكثر مما تراه العين بالنسبة للتسامح أو عدمه في إندونيسيا بقلـم تستريونو
يجب أن تكون الجنسية وليس الدين أساس الشمولية في الشرق الأوسط بقلـم صليبا صرصر
المسلمون والمسيحيون معاً في مصر جديدة بقلـم ياسر خليل