تسامح حاكم يوغياكارتا مثال لأندونيسيا

بقلـم أحمد سويدي
طباعة
بريد إلكتروني
جاكرتا – أطلق حاكم يوغياكارتا، المركز الثقافي لجزيرة جاوا الإندونيسية، السلطان هامينغ كوبوونو إكس، سابقة مثيرة للاهتمام من خلال رفض مقاطعة جماعة الأحمدية الدينية. تأسست الجماعة من قبل زعيم هندي في القرن التاسع عشر هو ميرزا غلام أحمد، الذي ادعى أنه المخلّص الموعود الذي بشّر به النبي محمد (ص). ورغم أن الأحمديين يعتبرون أنفسهم مسلمين إلا أن مسلمي التيار الرئيس لا يتفقون مع معتقدات أن المخلص قد عاد وبالتالي يعتبرون تعاليمهم تجديفاً.

وفّرت حرية التعبير والتنظيم في إندونيسيا، التي أعطيت عام 1998 الوقود الضروري، لظهور تنوع واسع من الجماعات المجتمعية المدنية. لسوء الحظ أن جميع هذه الجماعات لا تعكس التطلعات الإيجابية للشعب الإندونيسي، وأن عدداً قليلاً ولكنه هاماً من هذه الجماعات اختارت العنف كسبيل لجعل متطلباتهم مسموعة.

تحملت جماعة الأحمدية، لسوء الحظ القسط الأكبر من هذا العنف في الشهور الأخيرة، أحياناً على أيدي الأقلية الدينية المتطرفة التي تؤمن أن عقيدة الأحمدية تشكّل هرطقة تجديفية.

وفي محاولة لتجنّب المواجهة والعنف في مقاطعتهم عن طريق استرضاء الجماعات المسلّحة أصدر حكام بانتن وشرق جاوا وغربها، إضافة إلى بعض الولاة ورؤساء البلديات مراسيم وقرارات تمنع ممارسة عقيدة الأحمدية "بهدف منع المزيد من العنف". ويعني ذلك أنه بدلاً من حماية الأحمدية تضع الحكومة اللوم بسبب العنف والاضرابات على ضحايا هذا العنف.

يوغياكارتا هي مقاطعة ورثت حكومة تقليدية فاعلة. إضافة إلى وظيفته كحاكم، يعتبر السلطان، كما يسمى هناك، حاكماً تقليدياً يتمتع، رغم كونه غير منتخب بعلاقة وثيقة مع أفراد شعبه. لعب الحاكم الذي سبق السلطان دوراً هماً في تأسيس جمهورية إندونيسيا، ونتيجة لذلك ما زال هذا المنصب محترماً من جانب الحكومة المركزية، وتحمل أعماله أحياناً كثيرة أهمية وطنية، إضافة إلى أنها تشكل أمثلة، بشكل غير رسمي، لمسؤولي الحكومات الآخرين والقادة الإقليميين.

يحافظ السلطان وبشكل مثابر على تقاليد التسامح التقليدية حيال الثقافات الناشئة من خلال توفير فرص للجماعات المشكّلة حديثاً للتطور، بغض النظر عن عقيدتهم، بشرط ألا يهاجموا جماعات أخرى أو يعرّضوا وجودها للخطر. وهو يضع مثالاً لقاعدته الجماهيرية، مشجعاً إياهم على النظر إلى ما وراء الخلافات، دينية أكانت أم غير ذلك، والعيش معاً بسلام.

ونتيجة لأن السلطان يظهر الاحترام لشعبه ولخلافاتهم، يحمل غالبية أفراد الشعب احتراماً تجاهه بالمقابل. لقد مكّنت علاقة فريدة كهذه السلطان للوقوف والتكلّم معارضين منع ممارسة عقيدة الأحمدية رغم المعارضة من جانب، أو الحاجة لمماطلة جماعات الأقليات التي تدعم المنع، حتى هؤلاء الذين يلجؤون إلى العنف أحياناً.

يبرز هذا المثال ليظهر كيف أن السياسات الخلافية والعنفية بمضمونها غير قابلة للاستدامة. وفي الوقت الذي يمكن للسياسات غير المتسامحة أن تتمتع بشعبية في أوساط الأقليات ذات الأصوات العالية، إلا أنها تقلل من شعبية الحكام بين غالبية أفراد تبعيتهم، وتتجه في الواقع ضد رابط القيادة التقليدية، كمعاملة الجميع على قدم المساواة، التي ما زالت تتمتع باحترام غالبية الإندونيسيين.

يتوجّب على المؤسسة السياسية الإندونيسية الرسمية أن تأخذ بعين الاعتبار مثال سلطان يوغيوكارتا كفرصة لإعادة التواصل الثقافي مع المواطنين من خلال إعادة تأكيد التزامها لحماية المواطنين من تهديد العنف دون تمييز، والحفاظ على حقوق جميع المواطنين في التنظيم وممارسة معتقداتهم. ويتوجب عليهم فوق ذلك كله قيادة الشعب عن طريق توفير مثال بدلاً من السعي لتحقيق أهداف سياسية قصيرة الأمد.

يمكن للقادة غير الرسميين كذلك، وخاصة القادة الدينيين، أن يلعبوا دوراً كسلطات أخلاقية تستطيع تشجيع الوحدة بدلاً من الفرقة وأن تتصرف كأصوات المنطق. وهم يستطيعون تثقيف مجتمعاتهم في رسائل التسامح والعيش المشترك السلمي، وتوفير المشورة والشجاعة الأخلاقية الضرورية للحكومة للقيام بواجبها.

في الوقت الذي يتم فيه في الغالب إعطاء الميكروفون الكبير للأصوات التي تدعم العنف وللأساليب السلبية لتجنب العنف، من الأهمية بمكان إبراز القوة الصامتة لهؤلاء الذين يختارون بدلاً من ذلك السبيل الأهدأ والأصعب أحياناً نحو التسامح والسلام.

###

* أحمد سويدي هو المدير التنفيذي لمعهد وحيد وعضو في مجلس السياسة لمعهد فهمينا. هذا المقال جزء من سلسلة حول القادة الدينيون يقولون كلمتهم، وكُتب هذا المقال لخدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 17حزيران/يونيو 2011
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"أحب المقالات التي توزعونها لأنها ليست دائماً مأمونة. فهي تدفع النقاش قدماً، وهي لا تكرر نفسها. وهي تساعدني كذلك على التفكير بطرق جديدة بمشاكل تحتاج حقاٍ للحل، مشاكل ليست سهلة ولكنها معقدة"

- مايكل وولف، محطة يو بي إف للتلفزة
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذه السلسلة
سلام ديني بين اليهود والمسلمين: مقابلة مع محمد س. دجاني داوودي
الاحتجاجات الأفغانية العنيفة تعمل كتحذير باكستاني
جَسر الفجوة بين المسيحيين والمسلمين البريطانيين
حقّ الآخرين في الاختلاف
الحوار كحل في لبنان
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذه السلسلة

سلام ديني بين اليهود والمسلمين: مقابلة مع محمد س. دجاني داوودي بقلـم تاليا إزراحي
الاحتجاجات الأفغانية العنيفة تعمل كتحذير باكستاني بقلـم كازي عبد القدير خاموش
جَسر الفجوة بين المسيحيين والمسلمين البريطانيين بقلـم مُشرّف حسين
حقّ الآخرين في الاختلاف بقلـم الشيخ إبراهيم رمضان
الحوار كحل في لبنان بقلـم الشيخ هاني فحص