تحية سلام من طرابلس

بقلـم فانيسا باسيل
08 أكتوبر/تشرين الأول 2014
طباعة
بريد إلكتروني
طرابلس، لبنان – بمناسبة يوم السلام العالمي، الذي صادف يوم 21 أيلول/سبتمبر، صعد الفنانون الشباب إلى خشبة مسرح الرابطة الثقافية في مدينة طرابلس المتوترة أمنيّا، في شمال لبنان، ثاني أكبر المدن اللّبنانية. عرضوا مواهبهم الجميلة وأداءهم المميّز أمام المجتمع المحلي من خلال الرقص والموسيقى والتمثيل والرسم، وذكّروا الجميع أنه بالرغم من النزاع المستمر، ما زال هناك مكان للسلام. أظهر هذا الاحتفال أنه حتى في المناطق التي تشهد اشتباكات مسلحة، هناك دائماً أناس يرفضون العنف ويشكلون أمثلة تحتذى لإلهام الآخرين وحثهم على وقف استخدام العنف.

يهدد أمن طرابلس نزاع مستمر بين سكان مختلف الأحياء، تحديداً باب التبانة ذو الغالبية المسلمة السنيّة، وجبل محسن ذو الغالبية المسلمة العلوية، اللذين طالما كانا متناحرين منذ الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. وتتفاقم التوترات الآن بسبب الحرب الأهلية السورية، حيث ينقسم السكان حسب معارضتهم أو دعمهم للحكومة السورية التي يرأسها العلويون. ولكن طرابلس ليست فقط موطناً للعنف، فهناك أناس يريدون العيش بسلام، ويؤمنون أن باستطاعتهم تحقيق تغيير.

صحيح أن صنع السلام رحلة مليئة بالتحديات والصعوبات وخيبات الأمل، إلا أن إيمان عميق بالمهمة، وتصميم قوي، قادران على قطع مسافة كبيرة، وهذا بالضبط هو اعتقاد منظمة إعلام للسلام-MAP التي قامت بتنظيم النشاط من خلال ناديها ماستر بيس MasterPeace. تشكّل منظمة إعلام للسلام- MAP مساحة لأناس من خلفيات متنوعة ليجتمعوا في مكان يوحّد طموحاتهم وأهدافهم، مكان يستطيع فيه الشباب أن يكونوا مواطنين نشيطين، والصحافيون أن يكونوا مهنيين مسؤولين.

شعر الحضور والفنانون خلال الحدث بفرح كبير لرؤية احتفال سلام يُعقَد في مدينتهم، وقال أحد الحضور: "لقد حان الوقت لأن يعرف العالم أننا لسنا مدينة حرب." كان لرمزية النشاط معنى عميق لأهالي طرابلس ويحمل رسالة أمل للبنان ولكل العالم. هو فرصة للفنانين الشباب من هذه المدينة المتوترة لإثبات أنهم لا يدعمون العنف. مثّل براك صبيح، وهو مدرّب فنون في جمعية "عبر الفنون" Cross Arts المحلية، والتي ساعدت على تنظيم الحدث، مسرحاً لبنانياً فولكلورياً يُعرَف بـ "حكواتي البلد"، مستخدماً أشكالاً تقليدية من الفن لتذكير الحضور أن السلام هو حاجة لجميع الشعوب في جميع الأوقات. قدّم المطرب السوري الشاب أحمد دندشي الذي يعيش في طرابلس، إضافة الى أحد نجوم البرنامج التلفزيوني المحبوب "العرب لديهم مواهب"، جاد صبيح البالغ من العمر 9 سنوات، العديد من الأغاني الجميلة بأصواتهما المميزة. وعزف الفنان أحمد ناجي من الفرقة الموسيقية المحلية "لحظة" معزوفات تقليدية على العود، مذكّراً الجميع بالموسيقى اللبنانية الكلاسيكية المدهشة التي توحّد جميع اللّبنانيين رغم خلافاتهم.

إضافة إلى ذلك، وبعيداً عن العنف والمخدّرات والبنادق والسجن، التي تسبب توتراً لمجتمع طرابلس، قفز راقصو "البريك دانس" على المسرح ليدهشوا الجميع بمرونتهم الهائلة وقوة جسدهم وحركات رقصهم المصمّمة بدقة. وأصرّت فرقة الراب اللبنانية "من الآخر،" المشكّلة من ثلاثة فناني راب من ثلاثة أمكنة مختلفة في منطقة طرابلس، على المشاركة في هذا الاحتفال لأداء عروض الراب الفريدة الخاصة بها وأغاني الهيب هوب حول الوحدة في لبنان. وقد جعل الفنانون الجمهور يغني معهم وهم يخلقون جواً مدهشاً من الإنخراط والتشوّق والفرح. صرخ أحد أفراد الفرقة عيسى نعمان بشغف أثناء الأداء: "تحية سلام من طرابلس إلى لبنان!" جاءت هذه العبارة رداً على رسائل الفيديو التي تم عرضها في بداية الاحتفال، حينما قدم صحافيو السلام من كافة أنحاء لبنان "تحية سلام إلى طرابلس" من مناطقهم.

في النهاية، وجدت "شعلة السلام" التي حملها في كافة أنحاء لبنان غابرييل عبد النور، صاحب الصوت التينور، طريقها إلى طرابلس في يوم السلام العالمي، وأعطت فرصة للشباب للتعبير عن آمالهم بالمستقبل.

يمكن لفناني الجيل الجديد في طرابلس أن يشكّلوا إلهاماً للشباب الآخرين في مناطق النزاع حول استخدام الأدوات اللاعنفية مثل الفن والموسيقى والرقص. وهم يذكّرون جميع المشككين والمتشائمين أنه حتى في مناطق يهزها النزاع العنفي، يوجد أناس مسالمون لهم الحق في أن يُسمَعوا، وواجب في أن ينقلوا الرسالة اللاعنفية التي يؤمنون بها. وفي الوقت الذي يستمر فيه لبنان بمواجهة تحديات حقيقية لأمنه واستقراره، أطلق ذلك اليوم آمالاً جديدة للطرابلسيين، الذين أرسلوا تحية سلام إلى بقية لبنان.

###

* فانيسا باسيل (Vanessa.bassil@maplebanon.org) صحافية مستقلّة وناشطة سلام ومدرّبة في مجال صحافة السلام. هي مؤسِّسة ورئيسة منظمة إعلام للسلام – MAP ومنسِّقة حركة السلام العالمية MasterPeace في لبنان.

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 8 أكتوبر/تشرين الأول 2014
خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
 
 
 
 
فيديو الأسبوع

 
في هذ الفيديو، جلست خدمة الأرضية المشتركة مع الفائزة بجائزة الحبري لتعليم السلام، الدكتورة بيتي ريردون وصديقتها كورا وايس، رئيسة نداء لاهاي للسلام، للسؤال عما يمكن للإنسان العادي أن يفعله، والحصول على نصيحتهما للجيل القادم من بناة السلام.
 
 
 
 
"بالنسبة للمتخصصين وصانعي السياسة، تعتبر المواد المنشورة حول الشرق الأوسط في خدمة Common Ground الإخباريّة متميزة. إذا كان المرء يبحث عن الإتزان وعمق التحليل، فهذا هو مصدر التفهّم الأفضل لتعقيدات الشرق الأوسط المعاصر."

- الدكتور روبرت فريدمان، أستاذ العلوم السياسية بمركز بيغي مييرهوف بيرلستون بجامعة بلتيمور العبريّة وأستاذ زائر في العلوم السياسيّة بجامعة جونز هوبكنز
 
 
 

It takes 200+ hours a week to produce CGNews. We rely on readers like you to make it happen. If you find our stories informative or inspiring, help us share these underreported perspectives with audiences around the world.

Monthly:

Donate:

Or, support us with a one-time donation.

 
 
 
مقالات أخرى في هذا العدد
التوفيق بين حرّية التّعبير الفنّي و الدّين في تونس
منتديات حوارية على الانترنت تجمع بين القارّات لمواجهة الإسلاموفوبيا والمشاعر المعادية للغرب
 
 
 
 
 
 
 
200+
 
 
# of hours per week to create one edition
 
 
8
 
 
# of editors in 6 countries around the world
 
 
30,000
 
 
# of subscribers
 
 
30
 
 
Average # of reprints per article
 
 
4,800
 
 
# of media outlets that have reprinted our articles
 
 
37,307
 
 
# of republished articles since inception
 
 
6
 
 
# of languages CG articles are distributed in
 
 
2000+
 
 
# of writers since inception
 
 
'

 

مقالات أخرى في هذا العدد

التوفيق بين حرّية التّعبير الفنّي و الدّين في تونس بقلـم أيمن علّاني
منتديات حوارية على الانترنت تجمع بين القارّات لمواجهة الإسلاموفوبيا والمشاعر المعادية للغرب بقلـم رفائيل تيسبلات